في أكثر من مدينة زرتها على مستوى العالم ثمة مدينة في قلب المدينة تدعى المدينة القديمة، تضم هذه المدينة مجموعة من المباني والمعالم القديمة تشير إلى الماضي الذي كان عليه هذا الشعب أو ذاك **قبل حركة التحديث التي طالتها، مدينة صغيرة تخبرك كيف كانوا يعيشون وكيف كانت وسائلهم وكلما كانت المعالم القديمة ضاربة في الماضي أكثر كلما كانت جذابة ومثيرة للوجدان.
من تقاليدنا أنا وعدد من الأصدقاء أن نقوم في بعض مساءات رمضان بزيارات للرياض القديمة، ننطلق بعد صلاة العصر نجوب السكك والأحياء التي عشنا فيها طفولتنا وبداية مراهقتنا، نستعيد ذكرى الصبا والأيام الخوالي، ثمة أحياء من رياض الستينيات والسبعينيات ما زالت قائمة بمعظم معالمها وبعضها ما زالت تحتفظ بأجوائها التي كانت عليها وكأن أهلها في إجازة سيعودون منها في أي لحظة، تشعر أن بيوت الطين تتكئ على بعضها بصبر غير مسبوق على أمل أن يعود أصحابها لإنقاذها من الفناء الذي يتهددها، كل ما اختفى منها يمكن استعادته، تؤذيها بعض اللمسات التي فرضتها الحداثة، المكيفات وعدادات الكهرباء القبيحة والنوافذ التي لا تنتمي لعصرها وتداحم السيارات العشوائي واللغات الغريبة التي يتحدث بها سكانها الجدد.
سقوط بعض البيوت لا يعني موتها، كل ما كانت تقف عليه ما زال موجوداً، أكوام الطين واللبن والمرابيع والخوص وبعضها يتمادى في القدم إلى درجة أن أحتفظ بالأبواب المصنوعة من جذوع النخل.
كنا نأخذ الصور بصعوبة بالغة، ما نريد أن نلتقطه هو الماضي فقط، نبحث عن زوايا تختفى منها معالم الحداثة، نجهد لكي نستبعد ما لا ينتمي إلى العصر الذي تشهد عليه البيوت، أوقعنا هذا الهدف في مشكلات تقنية وجمالية، ستجد زاوية صغيرة تعبر عن الماضي بامتياز ولكن التقاطها بمعزل عن جوها العام الذي يجعلها مفهومة لي ولأصدقائي وغامضة على كل من لم يعش تلك الأيام، لا قيمة لها دون أن تبقى ملتصقة بالمفردات الأخرى التي تنتمي إليها، نريد من كل لقطة أن تتحدث بلغة تستطيع أن تخاطب بها الأجيال المختلفة بفصاحة كافية.
في كل عام أزور فيه الرياض القديمة أشعر أن تلك البيوت المتداعية يمكن أن تستعيد حياتها وألقها وصخبها بطريقة أخرى، أن تراوغ طغيان الحداثة والاغتراب، أن تتحول إلى مقاهٍ ومطاعم وفنادق صغيرة ومتاحف تضم الأشياء القابلة للدرس والنسيان، أن تكون مركزاً يقضي فيه سكان الرياض مساءاتهم في مسارح شعبية وأمام عروض فنية تعبر عن حياة الناس الذين عاشوا يوماً هنا.
ثروة كبيرة من الجمال والحنين والسعادة نهدرها كما أهدرنا الكثير.




http://www.alriyadh.com/1687189]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]