ليس أضمن من فكرة الاستثمار لاستدامة الأعمال الخيرية.. واستلهام فكرة مؤسسة الشهيد، وقفاً قائماً بذاته يتم استثمار أمواله من التبرعات والهبات والصدقات والزكاة لدعم أسر الشهداء أولاً، ولتنفيذ برامج لدعم أوجه الخير وما ينفع الناس باسم الشهيد..
استثمار المال لتدوير عوائده في أعمال ومشروعات خيرية، ربما يكون الضمانة الأهم لاستمرار القدرة على الإنفاق في أوجه الخير، لا ضمانة لاستمرار تدفق المال لإنفاقه في أوجه الخير خلال أيام أو شهور، والحياة لا تستقر على حال، والاقتصاد لا يركن لعوامل جامدة لا تتأثر بما يحيط بها، والعمر أقصر من الرهان عليه في استمرار تدفق المال الموسمي الذي يبذله الخيرون.
للمسلمين تاريخ طويل مع الأوقاف الخيرية، التي كانت تمثل رافداً مهماً من روافد بناء المجتمعات؛ لأنها كانت تتيح الحصول على المال عبر وقف ارتبط بتحقيق مصالح عامة كتعليم الطلاب والإنفاق عليهم خلال دراستهم أو إنشاء المشافي أو دور الإيواء.. أو رصد الأموال لخدمة بيوت الله أو مساعدة المحتاجين في مجالات مختلفة.
تراجع الوقف الخيري عند المسلمين في القرون المتأخرة، بينما ازدهر في المجتمعات الغربية على نحو مذهل، فالجامعات الكبرى الأكثر تميزاً، والمستشفيات الأكبر والأهم.. ودور الإيواء والرعاية وغيرها.. ومراكز البحث والتطوير، ظلت علامات بارزة في الغرب على قدرة الوقف ليس فقط على معالجة حالات إنسانية وردم فجوات تنهك الفرد والمجتمع، وإنما أيضاً مراكمة مكاسب تطال الإنسان وتدعم الاستمرار في تلك النشاطات.
نترحم على شهداء الوطن الذي يجودون بأنفسهم في معارك الشرف والدفاع عن بلادنا أرضاً وشعباً وحرمات ومكتسبات.. والجود بالنفس أعلى مراتب الجود:
يجود بالنفس إذ ضن البخيل بها
والجود بالنفس أقصى غاية الجود
وإذ تقدر كل الجهود والمبادرات التي تبذل لتخفيف مصاب أسرة الشهيد، ورعاية أبنائه، ودعم أسرته.. يبقى هذا الشهيد - الذي يدافع عن حياض بلده، ويقدم على الخطر وهو مدرك إلى أين قد يمضي - أعلى مراتب الاعتراف بالقدرة الفذة على الفداء من أجل أن ينام الآخرون بسلام وأمان.. والآخرون هم نحن، وكيف نكون إذا لم نكن في مستوى رعاية ما خلف هذا الشهيد من أسر وأبناء وما ترك من مسؤوليات؟!
إن صندوق الشهداء والمصابين والأسرى والمفقودين، كان ومازال بلسماً يخفف مصاب الفقد، وهو إحدى الخطوات الفعالة التي اتخذتها المملكة لرفع المعاناة عن رجالها الذي قدموا أرواحهم فداءً للدين والوطن.. إلا أن المشاركة الشعبية ستكون ذات أثر فعال من خلال مؤسسات أخرى لدعم هذه الفئة من أبناء الوطن المخلصين.
ولذا قد يكون من المناسب أن يخص الشهيد بمؤسسة وقفية تكون عنواناً للعرفان بدور هؤلاء الأبطال الذين جادوا بأنفسهم وقدموها دفاعاً عن دينهم ووطنهم.. لتكون عنواناً للبذل والعطاء ورعاية من خلفهم الشهداء، خاصة أن معظم أبناء الشهداء مازالوا في مراحل تتطلب الرعاية والاهتمام.. ناهيك أنها تحمل عنوان الشهيد، فخدماتها ودورها يمتد لأسر المصابين وغيرهم ممن تتطلب ظروفهم المساعدة والدعم.
مؤسسة وقف الشهيد، ستكون إضافة للجهود المشكورة القائمة لدعم هذه الشريحة التي ندين لها بالكثير من شهداء ومصابين.. مؤسسة وقف الشهيد عنوان مشاركة اجتماعية شعبية لا تتوقف عند جهود الحكومة، وإنما تمتد على مساحة الوطن استلهاماً للمعنى العظيم الذي جاء به الحديث الشريف: «مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى».. مما يجعل هذه المؤسسة الخيرية الوقفية التي تحمل اسم الشهيد عنواناً للقدرة الاجتماعية التشاركية في بناء صرح خيري كبير يكون أيضاً داعماً ورافداً للجهود الحكومية المبذولة.
الوقف مؤسسة يجب أن تضمن حداً أدنى من رأس المال القادر على البدء في مشروعات تدر عائداً متنامياً يوجه لدعم أسر الشهداء ورعايتهم، وتقديم برامج باسم الشهيد تطال الأحياء، أمثولة لمعنى بقاء الشهيد حياً بروحه وبذله تحت شعار مؤسسة وقف الشهيد، التي يطال خيرها الوطن برمته، وهو الذي فداه بروحه ونفسه.
وفي رمضان موسم الخير والأيدي الندية بالعطاء، تتقاطر عطاءات فاعلي الخير من الزكاة والصدقات والتبرعات.. وأعجب كيف لا تستثمر مواسم الخير في الدعوة لمثل هذا الوقف، بينما تذهب كثير من الأموال في مشروعات تهدر فيها الأطعمة وتدفع الأموال أحياناً لغير مستحقيها.. حيث أصبحت هناك مواسم للاستجداء والطلب والهدر.
أما عن دفع أموال الزكاة لمشروعات ريعية خيرية، فأذكر هنا ما قرره مجمع الفقه الإسلامي من جواز ذلك من حيث المبدأ بتوظيف أموال الزكاة في مشروعات استثمارية بتمليك أصحاب الاستحقاق للزكاة أو تكون تابعة للجهة الشرعية المسؤولة عن جمع الزكاة وتوزيعها، على أن يكون ذلك بعد تلبية الحاجة الماسة الفورية للمستحقين وتوافر الضمانات الكافية للبعد عن الخسائر أو سوء الإدارة.
ليس أضمن من فكرة الاستثمار لاستدامة الأعمال الخيرية.. واستلهام فكرة مؤسسة الشهيد وقفاً قائماً بذاته، يستقبل ما تجود به نفوس الخيرين طيلة العام، ويتم استثمار أمواله من التبرعات والهبات والصدقات والزكاة لدعم أسر الشهداء أولاً، ولتنفيذ برامج لدعم أوجه الخير وما ينفع الناس باسم الشهيد.. سيكون إضافة مهمة في مشروع البذل والعطاء. وسيكون نموذجاً للقدرة على تجاوز صور محددة لأعمال الخير الموسمية إلى مستوى عمل مؤسسي كبير يحظى بالتفاعل والاهتمام والاستمرار والنمو.




http://www.alriyadh.com/1687185]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]