ليس من المبالغة القول: إن هناك تحولات دولية جديدة وقوى اقتصادية قادمة¡ وهناك فك للاحتكار الدولي للسيادة الاقتصادية المدعومة بسيادة عسكرية¡ حيث لن يلجأ العالم إلى فرض السيادة العسكرية بعد اليوم..
هذه العبارة التي عنونت هذا المقال هي لأحد الفلاسفة حيث يتحكم التاريخ بمفاصل العالم الاقتصادية والسياسية¡ فخلال الأسابيع الماضية شعر العالم بتلك التحركات الكبرى لدول كبرى¡ فقد التقى الرئيس الأميركي نظراءه الأوربيين بمن فيهم الرئيس الروسي - فلاديمير بوتين - وهذه اللقاءات شكلت تعبيراً دقيقاً كيف يمارس الاقتصاد الحديث من خلال بنية كثيفة وضاغطة تمسك جزءاً مهماً وحساساً من حياة الشعوب والدول دون استثناء.
المتابعة بدقة للتحركات الدولية ولعبة السياسة والاقتصاد توحي أن تحولاً تاريخياً يتم التحضير له وخاصة مع تغير معطيات القوة في العالم الاقتصادي¡ وهذا ما يطرح أسئلة مهمة حول الدول القوية اقتصادياً¡ فهل مازالت أميركا قادرة على أن تكون القوة الاقتصادية مستقبلاً¿ وهل يمكن القول: إن التحولات الاقتصادية الدولية سوف تنبئ عن دول ستقود الاقتصاد العالمي¿
التاريخ بطبيعته منطقة تنافس بين الدول والأنظمة المتعددة¡ ولكن التاريخ بطبيعته الفكرية ينبئ عن منعطفاته عبر مؤشرات كبرى¡ وبملاحظة السلوك الأميركي خلال فترة الرئيس ترمب يبرز سؤال مهم حول مدى وجود أزمة في الاقتصاد الأكبر دولياً¡ فعبر متابعة كلمات وتغريدات الرئيس ترمب يبدو السؤال منطقياً عندما يقول: هل الأزمة في أميركا أزمة نظام رأسمالي ليبرالي أم أزمة رئيس يواجه صعوبة في فهم العلاقات المعقدة بين السياسة والاقتصاد¿
هناك سرعة في تحريك قطع الشطرنج السياسي في العالم¡ وهذه السرعة لم نشهدها منذ الستينات الميلادية عندما انقسم العالم بسرعة هائلة بين أميركا والاتحاد السوفيتي¡ اليوم هناك تحرك سريع ولكن هذه المرة ليس وفق منطق أيديولوجي¡ ولكن هذه المرة من خلال منطق يجعل من ملكية القوة العسكرية والاقصادية محوراً مهماً للتحرك¡ في منتصف التسعينات كانت التوقعات الغربية لتقدم الصين لقيادة العالم تشير إلى العام 2050م وهو العام الذي اتفقت عليه الكثير من النظريات¡ حيث ستكون الصين كما يتوقعون في ذلك التاريخ هي سيدة العالم اقتصادياً¡ ولذلك فإن السؤال المهم هل ما يحدث الآن أثناء فترة الرئيس ترمب يشير بدرجة معينة إلى هذا القلق الغربي من تحولات كبرى في ميزان القوى الاقتصادية.
قد يكون من المبالغة الجزم بذلك¡ ولكن ليس من المبالغة القول: إن هناك تحولات دولية جديدة وقوى اقتصادية قادمة¡ وهناك فك للاحتكار الدولي للسيادة الاقتصادية المدعومة بسيادة عسكرية¡ حيث لن يلجأ العالم إلى فرض السيادة العسكرية بعد اليومº لأن هذا الخيار تدمير مشترك ولن يكون هناك منتصر مهما كانت قوته¡ فكل الأسلحة الفتاكة دولياً أصبحت منتشرة¡ فحتى أصغر الدول مساحة تمتلك سلاحاً تدميراً يمكنها إيذاء الأقوياء.
معادلة التاريخ والاقتصاد والسياسة هي الأكثر بروزاً على المستوى الدولي¡ فحتى أوروبا لم تعد تطيق من أميركا محاولة تذويبها في نظام اقتصادي أميركي يعاني من أزمة كبرى بينما أوروبا في أوج استقلاليتها السياسية والاقتصادية بعد نشوء الاتحاد الأوروبي وانفتاحها على دول كبرى كالصين وروسيا¡ لم تعد اللغة الدبلوماسية تسيطر على لقاءات الزعماء في أوروبا وأميركا¡ فخلال أسبوع حافل بالكثير من الحدة السياسية استطاع العالم ولأول مرة أن يرى أوروبا وهي تطلب من رئيس أكبر دولة في العالم أن يحترم معاييرها¡ وفي ذات الزمن كانت الكثير من الأخطاء والتصريحات عنواناً كبيراً للقاء الرئيسين الأميركي والروسي.
العالم ينقسم كما يبدو إلى عالمين كبار: عالم دول الأديان السماوية وهو ما تمثله أميركا وروسيا وأوروبا والدول الإسلامية¡ وعالم الدول التي لا تدين بالأديان السماوية (الدول الوثنية) وهو ما تمثله الصين واليابان والهند وكوريا بشقيها وغيرها من الدول. فدول الأديان السماوية التي ظلت خلال تاريخها معتمدة على إنتاج شكل من الإلزام السياسي القائم على موارد دينية تجد نفسها في مواجهة دول تتحكم بالإلزام السياسي بعيداً عن المنتجات الدينية المباشرة.
بلغة أكثر وضوحاً لم يعد من الممكن الإيمان بوجود نظام كوني سياسي أو اقتصادي يمكنه أن يتحكم في كل المجتمعات وبذات المنهجية¡ ومع دخول العالم إلى الألفية الثالثة ثبت ذلك¡ حيث إن التحولات الدولية خلال ما يقارب عقدين من الزمان شكلت ضعف ما حصل عليه العالم من تحولات كبرى خلال الخمسة عقود الأخيرة من القرن العشرين¡ التحرك السياسي الدولي وتغير سياسات الدول والبحث عن تحالفات جديدة كل ذلك يعبر عن محكمة للتاريخ تفتح أبوابها على رقعة الشطرنج الدولية¡ حيث يتم تحريك القطع بسرعة أكبر مما نتوقع¡ ولعل أسبوعاً مهماً قضاه الرئيس الأميركي ترمب في أوروبا كشف الكثير من الأسئلة التي أصبحت بحاجة إلى الإجابة عنها عبر التاريخ حيث محكمة العالم.




http://www.alriyadh.com/1694324]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]