الفوضى تصنع كيانات الدول سياسياً، وتعود بالنفع اقتصادياً على تجار الأسلحة، وترفع من شأن دول وتحط من قدر أخرى، إذاً فالحرب مسرّة والسلام بات ضرراً يجب وأده في سورية..
يحتاج المرء لإظهار قوته متى ما سمحت له الظروف والمواقف بذلك، تماماً كالدول التي تستغل حالة الفوضى الدولية لتثبت قوتها، إما عسكرياً أو سياسياً.
والتاريخ مليء بالشواهد؛ ففي التاريخ المعاصر عندما برز ستالين كقائد قد عمد إلى استغلال أي فوضى دولية؛ لتوسيع الأراضي السوفييتية وحاول بشتى الطرق أن يخلق انقسامات بين الحلفاء حتى يزيد من فُرص استحواذه على المنطقة، وكان ستالين كلما رأى ألمانيا تنتعش وتنهض ازداد تحركه نحو دول شرق أوروبا.
وتقول المؤلفة آلان تد: بينما كان الاتحاد السوفييتي يخوض غمار عملية بسط سيطرته على بلدان أوروبا الشرقية كان الجيش الأحمر يُفكك بعضاً من الصناعات من بلدان شرق أوروبا ويُصادر المواد الأولية لأغراض عسكرية وخاصة من –هنغاريا ورومانيا– وهما حليفتا ألمانيا سابقاً، وعلى الرغم من رغبة ستالين القوية في رؤية حكومات شيوعية في بلدان شرق أوروبا إلا أنه وقف عاجزاً عن تقديم الدعم لأي ثورة اجتماعية فيها خلال فترة 1944-1946م.
وتطورت حينها طموحات ستالين إلى أن وصلت إلى محاولة طرد النفوذ الأميركي من جميع أراضي آسيا الأوروبية واستبداله بنظامه، إنه طموح الحالمين!.
وهذا الوضع نفسه يتطابق إلى حد كبير مع الوضع الراهن حالياً في سورية، فـالقاعدة تقول عند أصحاب التيّار الواقعي في فلسفة التاريخ السياسي: كلما عمّت الفوضى الدولية كثُر لاعبوها بغية إثبات القوة والاستحواذ سياسياً وعسكرياً.
ففي العام 2011م جرّ الأسد بلاده إلى الفوضى والثورة بعد رفضه لمطالب الشعب، مما جعل الثورة تتحول من كونها ثورة إلى ساحة حرب بالوكالة، والمقصود بحرب الوكالة: هي الحرب التي تستخدم القوى المتحاربة أطرافاً أخرى للقتال بدلاً عنها بشكل مباشر، وهذا ما يُفسر لنا كثرة المُرتزقة على الأراضي السورية، ويحاول اللاعبون على مسرح سورية ألاّ تحدث حرب شامله وكُبرى؛ حتى لا يُحسم الأمر وتنتهي هذه الفوضى كما حدث في الحرب العالميتين سابقاً.
ومن القوى الإقليمية التي برزت على المسرح السوري كقوى فاعلة هي: تركيا وإيران وقطر وإسرائيل، فضلاً عن القوى الدولية مثل روسيا وأمريكا وبريطانيا وفرنسا.
وهؤلاء اللاعبون الدوليون والاقليميون يستخدمون العديد من الخُطط للحصول على آمالهم والحفاظ على مصالحهم في سورية، بينما تخوض بعض منها حروباً بالوكالة؛ حتى لا تُحسم الفوضى وتعود الحياة طبيعية في سورية كما كانت، ولمَ لا؟ فمنافع الفوضى الدولية أكثر من منافع الاستقرار، وسيظل الوضع في سورية هكذا حتى يُثبت اللاعبون الإقليميون والدوليون حجم تأثيرهم على الساحة الدولية من خلال إظهار القوة بكل أشكالها السياسية والعسكرية والدبلوماسية.
فعلى سبيل المثال: اللاعب الإقليمي المُجتهد والنشيط «إسرائيل» هو متواجد كأحد أهم اللاعبين الإقليميين على الأراضي السورية، ويذكر أن هذا اللاعب ارتبط تاريخه بالاغتصابات فقد اغتصبت أرضاً من أراضي سورية من خلال ضم مرتفعات الجولان إلى أراضيها بشكل منافٍ للقانون الدولي في حرب 67. وأما بعد الثورة السورية التي اندلعت العام 2011م فقام اللاعب بلعب دور الشرطي الحامي لممتلكاته في مرتفعات الجولان، كما أن هذا اللاعب المُخلص «إسرائيل» يُجيد التعبير إلى حد الصراحة متى ما دعت الحاجة فهي أحياناً تعبّر عن قلقها من زيادة العناصر الوكيلة لإيران في سورية وزيادة قوة حزب الله في سورية، وتُترجم قلقها على استحياء عن طريق شن غارات جوية تزعم أنها على أهداف عائدة لإيران وحزب الله في سورية. والعجيب في الأمر أن اللاعب «إسرائيل» استطاع أن يهزم أكثر من جيش عربي وحليفه «الاتحاد السوفييتي» قبل أكثر من خمسة عقود ولم يستطع اليوم أن يتغلب على بعض اللاعبين الإقليميين معها، فهل خذلتها الأسلحة أم أن الفوضى الخلاّقة باتت أمراً مهماً للوجود على الأراضي السورية لغرض إثبات القوة؟
بالتأكيد الفوضى تصنع كيانات الدول سياسياً، وتعود بالنفع اقتصادياً على تجار الأسلحة، وترفع من شأن دول وتحط من قدر أخرى، إذاً فالحرب مسرّة والسلام بات ضرراً يجب وأده في سورية، هذا بشأن لاعب واحد فقط، أما بقية اللاعبين فتتعدد مصالحهم وطموحاتهم وتبقى الدول العُظمى هي المُحرّك الأساسي لها، وما على اللاعبين الإقليميين سوى تنفيذ أجندتها مع توافق مصالح حلُفائها من اللاعبين الدوليين «الدول العُظمى» ولتنفيذ هذه الأجندة يجب رعاية المرتزقة «الإسلاميين» الذين يخوضون حرباً بالوكالة.
ملاحظة: اللاعب الإسرائيلي سبق وله تاريخ بعقد اتفاقيات للسلام مع جيرانه العرب، لذلك هو يبذل جهداً منقطع النظير على الأراضي السورية، فهل سينجح بذلك عن طريق غاراته الجوية؟ يبدو أنه لاعب حماسي وحساس للغاية!




http://www.alriyadh.com/1697286]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]