إنها دعوة للمراجعة والتأمّل وإعادة ترتيب الأوضاع الداخلية لبنية الفكر والعقل لنا كمسلمين علّنا نستطيع الخروج من دوغمائية فكر لا يتّسق ونقاء الإسلام العظيم الذي شكّل انبعاثه الأول لحظة إنسانية فارقة وكوّن رأس مال رمزياً جذّاباً وعميقاً تغلغل في الوجدانات وتجذّرت قوّته الروحية في الأنفس..
لا يكتسب مفهوم الدولة أهميته فقط من كونه مفهوماً فلسفياً ذا حمولة معرفية كثيفة، ولا لكونه رهان السلطة الأساسي؛ بل يتجاوزه إلى ارتباط وجودها «الدولة»، كضرورة حتمية لضبط السِّلم الاجتماعي والتوازن السياسي والأمن المجتمعي لأفراده المحايثين لوجوده؛ وأي تهديد لهذا الكيان السياسي، هو تهديد للمجتمعات، ونذير بفوضى وانفجار مروّع لنزعات التطرّف والعنف.
وقد فطن الفلاسفة والمفكرون إلى تلك الأهمية منذ قرون، لا سيما بعد ويلات الحروب وما صاحبها من وحشية وتعذيب وتقتيل بشع وبربرية نكصت بمرتكبيها وضحاياهم إلى الدرك الأسفل من المضمار الأخلاقي؛ هزيمة دفعت بأولئك الفلاسفة والمفكرين أن يعيدوا صياغة دولهم وأفكار شعوبهم وتخليصهم من الجهل ومثالبه للارتقاء بهم، ولوقف حمامات الدماء التي استصحبتها بربرية الإنسان المتوحّش والمتغوّل أنانية وشروراً وطمعاً في حوز كل شيء.
وقد وضع عدد من الفلاسفة خلاصة استبصاراتهم الفكرية بعد طول تأمُّل في قوانين وأفكار ومناهج لتنظيم هذه العلاقة بين الدولة والأفراد والمجتمع في صيغة تعاقدية تكفل قيام كل طرف بأدواره وواجباته وبما يضمن إصلاح وتطور الطرفين باعتبار الدولة جوهراً أخلاقياً واعياً بذاته أو ذلك الجدار الذي يحيط بالحديقة حيث تنبع أزهار وثمار البشرية كما يعبّر هولدرين.
اليوم تواجه «الدول» -خصوصاً الإسلامية- تواجه ككيانات سياسية منوط بها صون شعوبها واستقرارهم تحديات كبيرة تتمثّل في مجابهة الفكر المتشدد والجماعات الأصولية والأحزاب الحركية التي وضعت دولها على فوهة بركان ثائر؛ ولعلّ التوتر والتأزّم اللذين تعيشهما بعض الدول العربية يؤكدان فداحة وخطورة هذا الفكر الراديكالي المتشدد -كجماعة الإخوان المسلمون- التي اتّخذت من الإسلام آيديولوجيا تحفّزها للوصول إلى الحكم وتطبيق الحاكمية التي بشّر بها أبو الأعلى المودودي (باكستان 1903 - 1979) وسيد قطب (مصر 1906 - 1966) عبر فتاوى عزّزت ظاهرة الاغتيالات السياسية وكرّست التطرّف الديني وتأصيل ظاهرة الإسلاموفوبيا، وتدشين فكرة الدولة الإسلامية في الوعي السياسي العربي الحديث والمعاصر بطريقة مغالية وضحت في خطاب الحركيين ومخيالهم الجمعي مفضية إلى نهايات ثيوقراطية دموية مخيفة، لنخسر كمسلمين إسلامنا الذي كان مشروعاً حضارياً وإنسانياً وكونياً صالح لكل زمان ومكان. ولم يكن نجاح هذا الفكر المتشدد في الانتشار والتغلغل لرسوخه ووجاهة مقاصده بل لاستثماره البشع في التلاعب على وتر الدين رغم ضحالته وتقليدية خطابه وتهاويه، لكنه الاستغلال البشع للدين والذي جعل المفكر الدكتور مصطفى محمود يدعو بمرارة أن: أغلقوا هذا الباب الذي يدخل منه الانتهازيون والمتآمرون والماكرون، والكذبة إنها كلمة جذابة يستعملها الكل كحصان طروادة ليدخل إلى البيت الإسلامي من بابه لينسفه من داخله وهو يلبس عمامة الخلافة ويحوقل ويبسمل بتسابيح الأولياء، إنها الثياب التنكريّة للأعداء الجدد. ولا يبعد عنه كثيراً عبدالإله بلقزيز حين يتساءل بحرقة: كيف أمكن أن يتحوّل الدين «الإسلام» من عقيدة للأمّة جمعاء، تجتمع عليها وتشتقُّ من مبادئها أخلاقها ومنظومة قيمها، إلى إيديولوجيا سياسية في يد فريق واحد في الأمّة، يتوسّلها في صراعه مع خصومه على السلطة؟ كيف أمكن هذا التزوير الصارخ لصورة الإسلام ورسالته أن يحصل، وأن تنطليَ حيلتُه على الملايين من المأخوذين بفكرة المشروع السياسي الإسلامي، وأن نذهب جميعاً -تبعاً لذلك- نحو هذه المآلات الدراماتيكية؟
ويختم برأيه أنّ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن يُجاب عنها جواباً فكرياً، بتحليلٍ عميقٍ للظاهرة/ «النازلة» يتوسّل أدوات البحث العلمي، ويستضيء بالخبرة التاريخية الإنسانية، وفي جملتها الخبرة العربية الإسلامية.
إنها دعوة للمراجعة والتأمّل وإعادة ترتيب الأوضاع الداخلية لبنية الفكر والعقل لنا كمسلمين علّنا نستطيع الخروج من دوغمائية فكر لا يتّسق ونقاء الإسلام العظيم الذي شكّل ابنعاثه الأول لحظة إنسانية فارقة وكوّن رأس مال رمزياً جذّاباً وعميقاً تغلغل في الوجدانات وتجذّرت قوّته الروحية في الأنفس. نعم لقد آن الأوان أن يستعيد الإسلام الحقيقي سلطته الأخلاقية والعملية بعيداً عن حصار الأصولية وإكراهاتها.




http://www.alriyadh.com/1704100]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]