إن الكارثة الحقيقية التي يمكن أن تحلّ بكاتب هي حين يسبق زمنه بأفكاره، وفي تاريخ الأدب على مدى عدة قرون، دُمّر بعض الكتاب بتهميشهم لهذا السبب. عاشوا حياة مزرية حتى الموت، مارسوا أعمالاً شاقة ليوفروا لقمة عيشهم، وجدوا أنفسهم وسط مجتمعات مستذئبة نهشت أجسادهم بكل وحشية، قتل بعضهم، سجن آخرون، وذاق كثرٌ منهم مرارة المنافي، إلى أن جاءت الأجيال التالية لهم، فكشفوا عن عبقريتهم، ما دفع بالبعض بالبحث في حياتهم، فاكتشفوا حياة أروع مما كتبوه.
الكاتبة باميلا ليندون ترافرس، مثال رائع لذلك، في لقائها بوولت ديزني من أجل مناقشة فكرة إعطائه حقوق أحد كتبها. صانع الفيلم عاد بنا إلى الماضي السحيق للكاتبة، وأخرج أثقال ما حملته تلك الشخصية المركبة من أسرار عائلية، ومعاناة ساهمت في صقل شخصيتها، وتوجهها للكتابة، حتى أن ألغاز أدبها وشخصياتها المخترعة، كان لها مرجع خفي يربطها بطفولتها في أستراليا.
متعة متابعة الفيلم لا يمكن وصفها، خصوصاً أن الرائع توم هانكس قام بالدور الرئيسي في مواجهة إيما تومسون، وهو من الأفلام البيبلوغرافية التي لا تكتفي بسرد حياة الكاتبة، بل بتشريح حياتها، وأدبها، وكشف تلك القدرة العجيبة للكتابة لعلاج جراح النفس، مهما كانت عميقة وقديمة.
ولمن يريد أن يقضي وقتاً عائلياً ممتعاً بمشاهدة فيلم جميل ومؤثّر، فلا أجمل من هذا الفيلم الذي يحمل عنوان «إنقاذ السيد بانكس»، ليعرف من يختفي خلف شخصية «ماري بوبينز» الغريبة العجيبة، والتي أحبها الأطفال، والنّاشئة، وأمتعت الكبار أيضاً.
وليست هذه القصة فقط هي التي تحيلنا إلى أثر الأدب في تكوين الشخصية الغربية، بل قصص كثيرة، تنطلق من قراءة الأديب لتنتهي بالقراءة عنه. تبدأ بالدهشة بأدبه، ثم تمضي بشكل تلقائي للبحث عن حياته، ونبش مخفياتها، والحفر عمّا ظلّ مغموراً طيلة سنوات.
تعمل هوليود لكسر القوالب الجاهزة لشخصيات مشهورة، بتقديم ما هو غير مستهلك، وما هو مجهول، كما تفعل ذلك مع شخصيات أخرى مغمورة، تمسح الغبار عن عظمتها وتفاجئ بها جمهورها.
وهذا ما يفعله الإعلام الغربي عموماً، متحدياً عنجهية الرموز، وغرورها، باقتحام كواليسها، وتسليط الضوء عليها. ألم يقل إرنست هيمنغواي عن فرانسيس سكوت كي فيتزجيرالد أنه أحمق، وأهدر عمره مع زوجته المريضة لهذا انطفأ ككاتب؟ كان مجرّد الطعن في إنسانية الرجل تجاه زوجته غطرسة يمكن استنباطها من الجانب المظلم من حياته هو الآخر، فلكليهما مسار مختلف عن الآخر، فالأول ملأ الدنيا بشهرته، والثاني ظلّ حبيس المستشفيات التي جرّته إليها زوجته، لكن النور الذي لامس الأماكن المعتمة من حياتيهما كشف عن أنانية الأول، وإيثار الثاني، ووضع الحقائق أمامنا، كان ذلك كافيا لإعادة قراءة فيتزجيرالد، ومكافأته متأخرا.




http://www.alriyadh.com/1705912]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]