وصلتني رسالة طلبِ تبرعٍ من مستشفى سبق أن تعاملت معه، تستعرض الرسالة حالة امرأة حامل عمرها 32 سنة دخلت في حالة سبات بعد تعرضها لجلطة شديدة. بعد وصولها المستشفى اكتشف الأطباء أنها تعاني أيضاً من قائمة طويلة من المشكلات الصحية الأخرى، بعد عدة أشهر عادت المرأة إلى حياتها الطبيعية سليمة معافاة. قد يحدث هذا في مستشفيات عدة في العالم لكن المسألة أبعد من ذلك، هذا ليس مجرد مستشفى وإنما مركز أبحاث كبير متخصص في أبحاث الخلايا الجذعية، على وشك الإعلان عن اكتشاف علاج لأمراض مهمة مثل السرطان والزهايمر وغيرها.
تلك رسالة من عدة رسائل تصلني من عدد من الجهات العلمية والإنسانية تعتمد في جزء من مصاريفها على التبرعات. لأني أعرف المستشفى جيداً وأعرف أهدافه قررت أن أتبرع، حيرني مبلغ التبرع وهل أقدم مبلغاً كبيراً لمرة واحدة أم أخصص مبلغاً بسيطاً يتحول شهرياً بشكل تلقائي؟
قادني التأمل في الموضوع إلى سؤال أوسع، لمن تتبرع؟ تواجه يومياً حالات إنسانية تحثك على التبرع، كوارث، حروب، أوبئة.. إلخ. وفي نفس الوقت تعرف أن هناك كثيراً من المؤسسات التي تعمل على حلول حاسمة لمصلحة البشر جميعاً تنتظر تبرعك. هل تتبرع لمركز أبحاث هدفه اكتشاف علاج للسرطان أم لقرية في حاجة إلى مساعدة عاجلة؟ «على افتراض أنك إنسان عادي تملك مبلغاً محدوداً من المال». أمر في غاية الإحراج الأخلاقي؛ المركز الذي يعمل على اكتشاف علاج لمرض مستعصٍ سينقذ ملايين من محنٍ تعاني منها البشرية «فقراء وأغنياء» على حد سواء، أم تتبرع لقرية يعاني سكانها من محنة طارئة.**مسألة إنسانية عاجلة وحاسمة تستحق التعاطف، لكنها لن تسهم في حل مشكلات كبرى تعاني منها البشرية جمعاء. تبرعي للفقراء سأعيش نتائجه الطيبة وأسعد بها، أما تبرعي لمؤسسة أبحاث فربما أغادر هذا العالم دون أن أرى نتيجة حاسمة.
المسألة معقدة، لا يمكن حلها بمعادلة حسابية، في الغالب سيتعاطف كثير من الناس مع القرية المنكوبة، سيجدون أنفسهم مأخوذين بالألم الماثل أمامهم، يمكن تأجيل نتائج أبحاث المركز قليلاً، لا يدركون أن مجموعة الأدوية التي سيبعثون بها للقرية المنكوبة هي ثمرة تبرعات حصل عليها مركز أبحاث، لولا بحوثه لما تمكنوا من إنقاذ أبناء القرية. قد يجد البعض أن دعم مراكز الأبحاث وظيفة الدولة، هذا مؤكد، لكن الدولة - أي دولة - مواردها محدودة، ويتم توزيعها على احتياجات الناس المختلفة. في أي ميزانية بأي دولة لا يحصل أي قطاع على حصته التي تكفيه بما في ذلك مراكز الأبحاث والمستشفيات فتلجأ إلى التبرعات. على أي حال بسبب اختلاف الناس تأخرت أبحاث ربما حسمت أمراضاً كثيرة، وبسبب اختلاف الناس أيضاً تم إنقاذ أرواح تتعذب أمامنا.




http://www.alriyadh.com/1710702]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]