من أهم أدوات تحقيق الرؤى الاستراتيجية في مسيرة التنمية؛ مستوى الوعي والتعليم، فألمانيا واليابان نهضتا من خلال التعليم والمعرفة رغم نتائج الحرب ومساحة الخراب، عندما يرتفع مستوى الوعي القائم على تعليم يحاكي الواقع ويعيش فيه ومعه، ويدرك متغيرات المستقبل.. تزيد معدلات النمو الاقتصادي خاصة إذا كانت القوى البشرية أساسه.
تكاد التجربة الفنلندية في التعليم العام تكون من أعظم التجارب في العصر الحديث، وبات التعليم العام في فنلندا الأول عالمياً متفوقاً على تجارب بريطانيا، وأميركا، واليابان..
العملية التعليمية في فنلندا قامت على مبادئ مهمة بحيث تركز على السنوات الست الأولى من عمر الطفل؛ لأنها فترة بناء المعرفة والمهارات البسيطة والتعود على حياة التعلم التي تعود بالفائدة على عموم الطلاب والطالبات في المراحل اللاحقة.. إضافة إلى مبادئ مهمة وهي المساواة بين الطلاب -المدراس الخاصة تقام في نطاق ضيق جداً- وهذا التوجه أفضى إلى تقارب مستويات الطلبة بإعطاء الفرص للجميع في اكتساب المهارات وتعزيز التنافس بينهم، ولكن يبقى المعلم هو حجر الأساس حيث إن له حق اختيار الدروس والطريقة حسب رغبته ووفقاً للأهداف المحددة؛ علماً أن أقل مؤهل للمعلم هو درجة الماجستير.. لذلك فهو يخضع للتقييم والاختبار أكثر من الطلاب أنفسهم.
حسناً؛ ماذا أثمرت هذه التجربة التي لاتزال تحافظ على صدارة التعليم عالمياً؟ اقتصادياً -وهو ما يهمني هنا- ما نتائج مخرجات هذا التعليم؟
تطور الاقتصاد الفنلندي سريعاً وأصبحت دولة رفاه اجتماعي واسع وتصدرت فنلندا قائمة أفضل بلد في العالم في استطلاع مجلة نيوزويك من حيث الصحة والديناميكية الاقتصادية والتعليم والبيئة السياسية ونوعية الحياة، وكانت السابعة في الأكثر تنافسية في العالم وفقاً للمنتدى الاقتصادي العالمي.
إذا فإن النمو الاقتصادي الحقيقي الذي ينتج عنه خفض في نسب البطالة وزيادة فرص التوظيف، قطاعات التجزئة، والسياحة، والإدارة المتوسطة لا تحتاج إلى تعليم عالٍ، بل لتأهيل بعد التعليم العام، لذلك من الخطأ أن ينظر إلى مخرجات التعليم العام أنها مدخلات للتعليم العالي.. ذاك أن التعليم المبني على اكتساب المهارات ورفع مستوى الوعي، لا يكون في الكتاب (الذي يُعرفه الكثير بالمنهج) ولا في جمال المبنى المدرسي ومساحته، ولا بمستوى الأثاث وفخامته.. إنما بالمعلم المؤهل تأهيلاًِ عالياً.. ففاقد الشيء لا يعطيه.. هل ننتظر من معلم غير مؤهل علمياً وفكرياً أن يبدع في خلق جيل من الطلاب يواكب خطط التطوير.. حتى لو كان في مبنى مدرسي خمس نجوم، ووفرت له أحدث وسائل التعليم..
من وجهة نظري أن من أبرز مشاكل عدم الإبداع في تعليمنا اليوم الأعداد الكبيرة من الطلاب والطالبات وبالتالي المعلمون.. هذه الكثرة رغم أنها ثروة؛ إلا أنه لا يمكن وفق المركزية الحالية أن نخلق مساحة للإبداع سواء للمعلم (حجز الزاوية في التعليم) أو الطالب (هدف التعليم)..
التجربة الفنلندية تجاوزت ذلك.. من خلال الاستقلالية للمدارس والمستويات التعليمية، ولكن وفق أهداف عامة.. أعتقد أننا نحتاج لمثل ذلك، فليس من المعقول أن يتعرض الطالب في جازان، والرياض، وتبوك، ومكة، والقصيم.. لذات المحتوى التعليمي رغم التباين البيئي، والمعيشي، وطبيعة الأرض ومكونات المدينة؛ بحرية، مدنية تجارية، مقدسة، زراعية..
نحن بحاجة إلى تعليم عام يقوم على الإبداع، وفي جانب آخر إلى تعليم عالٍ يقوم على البحث العلمي لنواكب مرحلة التنمية المرحلية والرؤية المستقبلية.




http://www.alriyadh.com/1710703]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]