قبل سنوات طويلة سافرت إلى مكة المكرمة، وكنت للتو قد انخرطت في السلك الوظيفي، كنا مجموعة من الشباب، انتدبنا من الرياض، وكنا نقضي سهرتنا وننام في منطقة يقال لها «حوض البقر» ولم يكن ينافسها في هذا الاسم الطريف سوى منطقة يقال لها «اللصوص»! كانت الأسماء غريبة، لكن مثلها موجود في عديد من المدن.
القضية ليست هنا، لكنها هناك في «حوض البقر» حيث الهواء العليل والشاي، وحيث في كل مساء وحالما يطفئ صاحب المقهى «الأتاريك»، كانت تمر بجانب كرسي الشريط الذي أنام عليه يومياً بريالين أرجل خفيفة ورشيقة، تردد نداءً ناعماً: كبوس، كبوس! وبعضها فيها إلحاح على تقديم الخدمة: كبووووس! لكنني لم أرد على أحد منهم، فأنا غريب في مكان غريب! في موقف غريب! وقد تعودنا على سماع تحذير تقليدي: «يا غريب كن أديب»، خاصة وأنا لا أعرف حتى ذلك الوقت معنى العبارة، التي تتردد على مسامعي ومسامع زملائي النجديين!
في اليوم التالي، أو بعده بأيام، سألت لاعباً مكاوياً كان يصادف وجوده في المطعم الذي نتناول فيه طعامنا عن معنى العبارة، اللاعب حالما سمع العبارة غرق في الضحك. بالضبط كاد يشرق. لكنه لم يجب على سؤالي إلا بكلمة واحدة: تهميز! وقد برع في هذه المهنة أبناء شرق آسيا. كانت مهنة حمالة أوجه، لذلك لم أستغرب أنها لا تمارس إلا في ظلام الليل وبذلك الهمس، وتلك الرقة، مع أنها كانت موجودة في الحمامات الشعبية في المدينة من أيام المماليك، وحتى قبل نصف قرن مضى، وأشهر هذه الحمامات «حمام طيبة» الذي يرتاده عامة الناس، حيث البخار والتلييف. من يخرج من ذلك الحمام، كان يخرج رشيقاً وخفيفاً، بعد أن تناسلت الأوساخ وتفتحت العروق. لكن هذه الزيارة لا تتكرر عادة، إلا مرة أو مرتين سنوياً، بل إن بعض هؤلاء القوم لا يزورون حمام طيبة، على سبيل المثال، إلا عند الإقبال على مناسبة سعيدة كالزواج أو عقد القران، أو قدوم العيد، أو الاستعداد، للذهاب إلى الحج!
الآن اختفت مقاهي «الكبوس» وأصبح اسم «حوض البقر» العزيزية، أما حمامات البخار فقد حلت مكانها «حمامات السونا» وهي حمامات خمسة نجوم للأثرياء ورجال الأعمال والفنانين، بل إن بعض رجال الأعمال، لكي يتحرر الواحد منهم من الضغوط، ينشئ في مكتبه، حماماً كاملاً للسونا، قد تضاهي قيمته «حمام طيبة!» بفوطه وليفه وقباقيبه!




http://www.alriyadh.com/1710708]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]