صادف الشهر الماضي (وتحديداً الثالث عشر من سبتمبر 2018) مرور ربع قرن على اتفاقية أوسلو التي وقعت في البيت الأبيض برعاية الرئيس كلينتون عام 1993..
وسميت باتفاقية أوسلو نسبة إلى العاصمة النرويجية التي انطلقت فيها المحادثات سـراً عام 1991.. محادثات اضطرت إليها إسرائيل نتيجة الضغوط الدولية التي أسفرت عنها انتفاضة الشعب الفلسطيني الأولى. وبموجب هذه الاتفاقية؛ اعترفت إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني؛ بشرط نبذ الكفاح المسلح، والاعتراف بدولة إسرائيل وسيادتها على 78 % من أراضي الانتداب السابق..
وبمجرد التوقيع على هذه الاتفاقية أصبحت إسرائيل (ولأول مرة منذ تأسيسها 48) تحظى باعتراف الفلسطينيين بها وسيادتها على ثلاثة أرباع الأراضي المتنازع عليها.
وبموجب هذه الاتفاقية تخلت السلطة الفلسطينية عن حقها في الكفاح المسلح، مقابل الاعتراف بها كسلطة شرعية ووعد بإقامة «الدولة الفلسطينية»، وهو ما لم يحصل حتى اليوم..
ولكن إسرائيل لم تنفذ بقية الوعود، ورفضت التقيد بخارطة الطريق، ولم تُـكمل بنود الاتفاقية التالية.. لم تنسحب من الضفة الغربية، ولم تسلم المناطق الفلسطينية، ولم تسمح بإقامة الدولة المتفق عليها -ولا حتى إنشاء مطار خاص بالسلطة الفلسطينية- سمحت فقط بظهور سلطة رسمية تحميها عسكرياً بموجب اتفاقية أوسلو، مقابل تحملها عناء أوكار الدبابير (وهو الوصف الذي يطلقه الإسرائيليون على المناطق الفلسطينية المكتظة بالسكان).. سلطة ليست فقط منزوعة السلاح بل وتتحمل أمام العالم نتائج أي مقاومة مسلحة توجه ضدها.. لم تسلم إسرائيل الأراضي المنصوص عليها في الضفة والقدس الشرقية، بل على العكس بدأت في قضم الأراضي الداخلية بأسلوب التوسع البطيء وتقطيع المناطق العربية بإنشاء الطرق السريعة والمستعمرات الجديدة (بحيث تضاعفت أعداد المستوطنين في الضفة سبع مرات واستولت إسرائيل على 56 % من الأراضي التي كانت موجودة قبل توقيع اتفاقية أوسلو)..
كانت خدعة مدروسة بعناية حققت من خلالها مكاسب كبيرة.. امتصت بفضلها تداعيات الانتفاضة الشعبية، وحولت فلسطين من شأن عربي وإسلامي كبير، إلى شأن فلسطيني ومحلي صغير.. أدركت أن مجرد توقيع ياسر عرفات على الاتفاقية سيقسم الرأي الفلسطيني ذاته بين مؤمن بالكفاح المسلح (تبلور في غزة) ومؤمن بالتفاوض السياسي (بقي في رام الله).
وفي 2011 أعلن نتنياهو صراحة رفضه دعوة أوباما إقامة دولة فلسطينية على أساس أوسلو وأطلق بذلك رصاصة الرحمة على اتفاقية ماتزال السلطة الفلسطينية تحتج ببنودها.
لا يغيب كل ذلك على أشقائنا الفلسطينيين ولكن هناك من كبر في السن وأصبح يفضل «سلطة رسمية» يعترف بها العالم على مقاومة ميدانية تعمل بالطرق القديمة.. أما رجل الشارع البسيط فـظل يعيش على أمل تطبيق بنود أوسلو، ولم يكتشف إلا متأخراً أنـه ابتلع الطعم قـبل ربع قــرن من وفاتها..




http://www.alriyadh.com/1710715]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]