تجد الشعوب التي هيأت لعباقرتها جو التفكر والاختراع، تكاملت مع ما ورثته من اكتشافات وأفكار مسبقة، ورسمت عليها «علميًا» طريق الوصول إلى ما وصلت إليه من منجزات عقلية أبهرت ونفعت.
المفكر المبدع هو الموهبة العظيمة التي ميز الله به الإنسان عن غيره من المخلوقات، وجعل به آية التفكر والتدبر والاختراع، ووكل إليه تدبير "المعيشة" للإنسان، وبذلك تفاوتت الشعوب في حياتها الدنيوية تقدّمًا، فتجد الشعوب التي هيأت لعباقرتها جو التفكر والاختراع، تكاملت مع ما ورثته من اكتشافات وأفكار مسبقة، ورسمت عليها "علميًا" طريق الوصول إلى ما وصلت إليه من منجزات عقلية أبهرت ونفعت.
ويلحق ذلك التفوق الذي تمثّل في اختراق الفضاء وبناء المحطات الفضائية فيه، وإرسال الأقمار والسيطرة والاستفادة من آياته التي خلقها الله فيه تسخيرًا لخدمة البشرية، وها نحن نلمس أيسر الأشياء التي أصبح الطفل فينا يرتقي بها في مراتب المعرفة الحديثة، كجهاز صغير يتلاعب به ويتلهى فيه، والجهاز هذا مبرمج على التواصل مع العالم كله، وما قد يخفى نسبيًّاً بين الناس يكاد يعجز عنه الحصر والعد من الاكتشافات والاختراعات والأفكار التي مبدؤها ومنتهاها ما علمه الله تتعالى لهذا العقل البشري!
وعلى هذا التفاوت نجد مصادر ومراكز القوة متمحورةً ودائرة بين الشعوب التي تملك مصادر العبقرية في بعض أفرادها، ووجهتها التوجيه الصحيح الذي يعتمد على إرادة بناء الإنسان ونفعه والحرص على التقدم بالأوطان وتقويتها، وليس نحن كمسلمين بمنأى عن هذا المطلب الإنساني، بل نحن كحاملين رسالة سماوية عظمت وقدست العقل أحق بها لاستطاعتنا على خلق التوازن بين قدرات العقل وحدود الشرع وكبح شطحات العقل كالتي أوصلت إلى اختراع آليات التدمير للإنسان وناقضت مبدأ عمران الأرض ونفع أهلها، وما قول الله في القرآن (علم الإنسان ما لم يعلم) بخافٍ على كثير من المسلمين، وحيث إن اكتشافات وتطورات العقل مرسلة وغير محدودة فلم يقيدها الإسلام بمنع، وتَرَكَ الأمر للإنسان يقنن وينظم ما يتوصل إليه عقله في إطار "النفع العام" دون النظر إلى فروقات تختلقها نزعة العداوات بين الناس فقال صلى الله عليه وآله وسلم حين أمرهم ألا يلقحوا أشجارهم فلم تثمر كعادتها: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» ففتح لها باب الاجتهاد والإبداع في العلوم الدنيوية؛ لأن بها قوام الحياة ودوامها.
والأمة التي تهتم وتنمي قدرات عباقرتها هي الأمة التي تكون بيدها المقاليد الممكنة في الأرض بسنة الله التي لا تتبدل، فتملك القوة اقتصاديًا وعسكريا وطبيًّا...الخ.
ولن تعدم الأمة والشعوب العربية والمسلمة من عباقرة أوتوا من العقل ما ينبهر له الخلق، بل الواقع يخبر عنهم في أكبر مراكز البحوث والإبداع! وقد كان عشرات ومئات من عباقرة الأمة أتوا بما يعجز من بعدهم عن قراءة ما سطروا فضلاً عن فهمه وشرحه.
ونظرًا لفقد الإمكانات ومواكبة لما عليه المجتمع من توجه، يفرغ كثير من العباقرة أفكارهم في أمور هي فضلة في بابها وكفاهم غيرهم إياها، ولو أنهم وجهوا توجيها مدعومًا بإمكانات تجسيد الفكرة إلى واقع لكانت كثير من الشعوب المسلمة قد سبقت في تأسيس وإبراز كثير من هذه العلوم والاختراعات التي نراها، فقد أتت على الأمة أزمنة تنافس فيها الشباب والكهول بقوتهم وإبداعاتهم في طلب العلوم ونشرها وتفصيلها حتى إن أحدهم ألّف كتابًا إعجوبة في منواله فرصعه بخمسة فنون متداخلة فيقرأ ككتاب عادي فقهًا شافعيًا أتى على كل الأبواب، وتأخذ الحرف من أول كل سطر فإذا هو فن مستقل، وحرفًا من آخر كل سطر فإذا هو فن آخر، وكلمة محددة من كل سطر، وهكذا حتى أكمل خمسة فنونٍ في الفقه والتاريخ والسيرة والعروض والقوافي، والذي لفت انتباهي لهذا هو الجهد الخارق الذي بذله في الكتاب - رحمه الله -، وليس هو الوحيد فهناك عقليات يعوزها الاستكشاف والتوجيه ليس لتأليف كتاب يغني عنه غيره ولكن لوضع وتأسيس واستكمال أفكار ومنافع دنيوية تنهض بها الأمة وتتكئ على أفكار عباقرتها في بناء أوطانها. هذا، والله من وراء القصد.




http://www.alriyadh.com/1715131]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]