لا شيء يجعل الذكريات القديمة تنبض بالحياة وتعود ماثلةً للوجود كأنما نراها الآن رغم مُضي الدهور والأزمان، لا شيء يقوم بذلك العمل المدهش السحري كالمكان الذي شهد تلك الذكريات وكان**مسرح حدوثها ومسرى روحها، فإن تلك الروح تعود بمجرد أن نرى ذلك المكان الذي كان مسرح حُبّنا، وموقع لقاءاتنا، والشاهد الصامد على ما جرى، فحين نراه نرى ماضينا فيه كأنما هو حيٌّ ماثل أمام العين.**
**وفي بلادنا من المواضع والمواقع والأمكنة والجبال ما يومض بذكريات لا يُبليها الزمان، استوحى منها**الشعراء قصائد رائعة، ورمز بها الأدباء لحوادث خالدة، وخرجت من رَحِمِها قصص وروايات ومسرحيات تختلف عن التاريخ المكتوب بأنها تركب زورق الخيال، وترسم صورة الماضي بشكل فني يُعيدها إلى الحياة، ومن تلك الأماكن التي أوحت إلى الشعراء بالإيداع، واسترجاع ما فيها من أحداث عاطفية وذكريات (جبل التوباد في الأفلاج)، الذي كان ملتقى قيس وليلى، ومهد حبهما الخالد، ومسرحه الثابت، الشاهد على حب نادر المثيل في القديم والحديث.**
**يقول قيس نفسه حين رأى ذلك الجبل بعد فراق ليلى:**
وأجْهَشْتُ لِلتَّوْبَادِ حِينَ رَأيْتُهُ **
وهلل للرحمن حين رآني
وأذْرَيْتُ دَمْعَ الْعَيْنِ لَمَّا رَأيْتُهُ **
ونادَى بأعْلَى صَوْتِهِ ودَعَانِي
فَقُلْتُ له أين الَّذيِنَ عَهِدْتُهُمْ **
حواليك في خصب وطيب زمان؟
فقال مضوا واستودعوني بلادهم **
ومن ذا الذي يبقى مع الحدثان
وأني لأبكي اليوم من حذري غداً **
فراقك والحيّانِ مؤتلفانِ
سِجَالاً وَتَهْتاناً ووَبْلاً ودِيمَة ً**
وسَحّاً وتسْجَاماً إلى هَمَلان
**ويقول أحمد شوقي وقد تلبّس روح قيس ووقف أمام جبل توباد وإن لم يره .. فالرمز المعنوي للمكان أقوى من أقوى الشواهد التي تُرى بالعيان:**
جبل التوباد حياك الحيا
وسقى الله صبانا ورعى**
فيك ناغينا الهوى فى مهده
ورضعناه فكنتَ المرضعا
وعلى سفحك عشنا زمنا
ورعينا غنم الأهل معا**
وحدونا الشمس فى مغربها
وبكرنا فسبقنا المطلعا
هذه الربوة كانت ملعبا
لشبابينا وكانت مرتعا
كم بنينا من حصاها أربعا
وانثنينا فمحونا الأربعا
وخططنا فى نقى الرمل فلم
تحفظ الريح ولا الرمل وعى
لم تزل ليلى بعينى طفلة
لم تزد عن أمس إلا إصبعا
ما لأحجارك صُمّاً كلما
هاج بي الشوق أبت أن تسمعا
كلما جئتك راجعت الصبا
فأبت أيامه أن ترجعا
قد يهون العمر إلا ساعة
وتهون الأرض إلا موضعا




http://www.alriyadh.com/1722727]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]