يقص الفنان الكويتي نبيل شعيل أحد المواقف التي مرت به، لا أعرف تحت أي موقف يصنف تلك الحادثة فالمقطع الذي وصلني كان قصيراً. يقول شعيل: كنت أطوف في الحرم المكي الشريف بكامل إحرامي وسمعت أحدهم يسألني، هل أنت نبيل شعيل؟ فقلت نعم، فقال: "وش جابك هنا"؟!
من وجه نظري هذه ليست طرفة كما تبدو، السؤال الاستنكاري الذي طرحه الرجل ينطوي على اتهام، لا يرى أن نبيل شعيل ينتمي لهذا المكان المقدس الخاص بالمسلمين، قد يكون السائل على سابق معرفة وخبرة بشخص شعيل، فيكون الأمر شخصياً لا يعنينا، ما يعنينا في الأمر مهنة نبيل شعيل، الأقرب أن الرجل فوجئ بأن يرى مطرباً في الحرم، فعبر بشكل عفوي عن وجهة نظره في الفن، وهو تعبير عن ثقافة سادت أكثر من ثلاثة عقود سهلت عملية التكفير، وتكفير المطربين والمشتغلين بالفن بصفة خاصة، صنفت البشر إلى فئات يمكن اتهامهم بالجملة، هذا الرجل وملايين مثله تم تصميم طريقة تفكيرهم على هذا التصنيف، من المحتمل أن هذا الرجل من المعجبين بنبيل شعيل، ويستمع إلى أغانيه ويشيد به، ولكنه في داخله كان يقاوم مسألة إدانته إلى أن حانت الساعة التي انطلقت فيها مشاعره المحبوسة.
ما تركته الصحوة في النفوس لا يصح تركه للزمن كي يمحوه، في الأمور الملتبسة ينتقل التحريم غير المستند على علم ديني حقيقي إلى أيدلوجيا تقاوم الزمن، تتشكل منها ثقافة تتغلغل في النفوس، تصبح موقفاً مستقلاً بعد أن يبتعد عن غلافه الديني. فمثلاً الموقف المعادي لحق المرأة في قيادة السيارة بدأ دينياً، صدرت فتاوى تحرم قيادة المرأة للسيارة، ولكن هذه الفتاوى تراجعت قيمتها عندما جوبهت بأكثر من رأي فقهي يدحضها، بيد أن معظم من كافحوا ونافحوا لحرمان المرأة من قيادة السيارة لم تتغير آراؤهم عندما اكتشفوا أن العامل الديني لم يعد موجوداً ليدعم موقفهم، كفوا عن استخدام الدين ذريعة وراحوا يبحثون عن ذرائع أخرى، صحة المرأة.. أمن المرأة.. زحام الشوارع.. الخ. ولاحظنا نفس الشيء مع السينما، عندما تهافت العامل الديني لم يتركوا الأمر لأصحابه، قالوا: إن السينما موجودة في البيوت وقالوا إن السينما لم تعد صناعة مربحة.. الخ، تحولت مواقفهم هذه من ثقافة إلى موقف أيدلوجي..
مازال موقف هذا الرجل الذي رأى نبيل شعيل بملابس الإحرام يتراوح بين الديني والأيدلوجي، ربما يتحول مع الزمن إلى موقف معادٍ للفن بلا غطاء ديني، عندئذٍ يترسخ أيدلوجياً كثقافة تنتقل من جيل إلى آخر.




http://www.alriyadh.com/1722784]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]