لا يمكن لإنسان ما أن يعيش بمعزل عن الأخلاق، وإن عاش خارج الفضيلة - وهي أعلى قيمة أخلاقية - فستكون معيشته ضنكا وهامشية لا معنى لها، بل ستكون حياته أشبه بالكائنات الأخرى التي لا تحكمها الأخلاقيات العُليا.
ولعل الخير والشر هما المصدران الأساسيان النابعان من المجتمع ذاته؛ إذ من دونهما لا يمكن سَنُّ القوانين ولا الاحتكام إلى العقل؛ حيث تكمن فلسفة القانون في أخلاق الناس والحد من تصرفات الإنسان ضد أخيه الإنسان؛ إذ لا بد من وجود نظام صارم مصحوباً بعقوبة ضد المعتدي صاحب الشر.
ذكرت في مقالٍ سابق بعنوان (أيهما أتى أولاً: النفس، أم العقل؟)، أن النفس لها قوة مركزية على العقل، وهذا في حال تعطل العقل عن التفكير السليم، وإن دققت أكثر فسأقول لك إن الغريزة المنفلتة لا تعطل العقل وتغيبه وحسب، وإنما لا تجعل للإنسان أخلاقاً يحتكم إليها في أموره، ويعرف حدوده وفق أخلاقيات المجتمع الذي ينتمي إليه.
غياب الخير وعدم التصدي للشر هما انتصار للرذيلة ورجوع الإنسان إلى محور بداية خلقته وتخلفه؛ إذ لا ينضج الإنسان إلا بوجود الخير والفضيلة والمحبة والعطاء. ليست الإشكالية غياب الدّين وحده وحسب، وإنما عدم وجود شيء يحدد مفاهيم المرء حول الأضرار التي سيلحقها بالآخر؛ أي إن الأمر هو عدم الإحساس بما يرتكبه ضد الغير؛ لأن الأنانية متصاعدة ومتضخمة من جانب المعتدي أو المتحرش بالآخر.
الانفلات من الخير والرضوخ للغريزة وضعف الجانبين الديني والأخلاقي تجعل من المرء غير قادر على السيطرة على ذاته، وكأنه يعيش وحده في هذا العالم؛ إذ لا بد من إعادة تأهيل شامل وكامل، والرجوع إلى جذور تربيته الأساسية، وعلاج الخلل، والكشف عن إحداثيات المشكلة.
ومن ناحية أخرى، لو كانت هذه القيم الأخلاقية منزوعة تماماً، أو لم تكن موجودة من الأصل في كينونته، فسيصعب علينا علاجه، وإن عاقبته فسيرجع - لا محالة - إلى سلوكه القديم. وفي هذه الحالة إما إخضاعه لعلاج ذاتي وخاص، وإما النفي خارج مجتمعه، وهذا - في ظني - هو الصحيح والواقع، والنفي قد حث عليه القرآن من قبل، وهو الجزاء الرادع لمن يعتقد ويظن أن تصرفاته السيئة صحيحة، ويصر على إتيانها على مرأى ومسمع من الناس.
ومقالنا هذا لا يقتصر على الأفراد فقط، وإنما يشمل المنظمات الإجرامية والإرهابية والأنظمة المارقة، التي تحاول انتهاك حقوق الناس بالباطل، وتظن نفسها تحسنُ صنعاً.




http://www.alriyadh.com/1756242]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]