في بيت من بيوت الله، والمسجد يكون في الأرض ولكن السماء تكون فيه: هذا شيخ كبير قد احدودب ظهره، يكاد المصحف الشريف يكون في حِجْره، يتلو كتاب الله عز وجل، تشعر من صوته بحنين دفين.. لا أدري ما هو؟ وما سببه؟ وثان: قد «اكتهل» مسنداً ظهره إلى سارية، يقرأ قراءة مرتلة، يقف عند رأس كل آية، وربما وقف هنيهة « أظنه يتدبر»، وترى في المسجد كذلك شباباً من الجيل الصاعد يقرؤون كتاب الله، وعيونهم تلمع لم تنهكها السنين بعد.. فياله من مشهد!.
لم يتوقف الأمر عند هذا، فهذا شخص يتلو كتاب الله تعالى «بلسان عربي مبين» وهو من هيئته من الجنسية الباكستانية أو الهندية فما أعظم هذا الكتاب! وما أجله! هو الكتاب الوحيد الذي تجتمع عليه الشعوب بلسانه العربي؛ فكأن القرآن العظيم «فوق اللغة».
وعلى ذكر «الجنسية الباكستاني» أذكر أن الشاعر الباكستاني الشهير «محمد إقبال» قدم نصيحة صحيحة لتدبر القرآن، وهي من تجربة شخصية له، حين قال: «أشد ما أثر في حياتي نصيحة سمعتها من أبي: يابني اقرأ القرآن كأنه أنزل عليك». وهذا - فعلاً - ما كان عليه المسلمون الأوائل؛ إذا سمع الواحد منهم الآية من القرآن يشعر أنها تخاطبه هو بأمر تأمر به، أو نهي تنهى عنه، أو بقصة يعتبر بها، ولذلك كانوا يتأثرون تأثراً شديداً. ويزداد تأثرك بالقرآن إذا كان لك اطلاع على أسباب نزوله، فتعرف أن الآية الفلانية نزلت في كذا، أو كانت ترتبط بموقف عاشه النبي صلى الله عليه وسلم، وصحابته الكرام، فتشعر وأنت تقرأ هذه الآية؛ وكأن الزمن قد انقضى ما بينك وبين عهد النبوة فأصبح صفراً؛ وكأنك بالقرب من حجرات النبي صلى الله عليه وسلم، في المسجد النبوي ترى المشهد وتعاين الموقف، وعن مثل هذه التجربة يحدثنا د. محمود الطناحي من تلامذة محمود شاكر وهو يذكر أن القرآن الكريم معه في مغداه ومراحه، وفي حله وترحاله، ولكن حلاوته تعظم في فمه حين يقرؤه في رمضان، وفي الحرمين الشريفين، ثم يقول: وما دخلت المسجد النبوي مرة إلا وقرأت سورة النساء، لأستحضر تلك الصورة الغالية الخاشعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وابن مسعود يقرأ عليه سورة النساء، وذلك ما رواه البخاري عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ علي قلت: يا رسول الله، أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: نعم. فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا؛ قال: حسبك الآن فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان.
أحياناً وأنت تقرأ كتاب الله تمر وتمشي؛ وفي لحظة تأخذك أية كريمة أخذاً شديداً، تهز وجدانك وتؤثر في مكامن نفسك. قد يكون السبب روعة بيانها، أو ملامسة معناها لحال نفسية أنت عليها، أو لقوة مضامينها.. إلى غير ذلك. كما جاء عن ذاك الأعرابي الفصيح لما سمع قول الله تعالى: فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا فراعه هذا التعبير»خلصوا نجيا» فقال: أشهد أن مخلوقاً لا يقدر على مثل هذا الكلام.
وأنا لا أزال كلما مررت على الآية العاشرة من سورة القصص أتوقف عند كلمة من الآية؛ وكأنها برأسها آية، كلمة واحدة لو ذهبت تستقصي ما تعنيه ربما تشعر أنك مقصر في ذكر دلالاتها، يقول الله عز وجل: « وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين «تصف الآية الكريمة الحال النفسية لأم موسى عندما ألقت رضيعها في اليم والتقطه آل فرعون، فلاحظ هذه الحال الصعبة اختصرت في «فارغاً» أي: فارغاً من كل شيء إلا ذكر موسى. استولى موسى على قلبها، يكاد لسانها ينطق بموسى وهي تخشى عليه من آل فرعون؛ نسيت كل شيء إلا رضيعها موسى، هكذا «فارغاً» جعلتنا نشعر بشدة الحال التي مرت بها أم موسى: «لولا أن ربطنا على قلبها».
وفي العشاء صليت مع الإمام التراويح فقرأ حتى وصل إلى قول الله تعالى من سورة البقرة: « واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين» فأخذت أتفكر في هذه البشارة، وبعد الانتهاء من الصلاة أخذت المصحف فصادفت بشارة أخرى من سورة الأحزاب: «وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيرا» الذي يأمر بالبشارة هو ربنا سبحانه، والمبشِّر هو محمد صلى الله عليه وسلم والمبشَّرون هم المؤمنون، والبشارة: فضل كبير؛ فأي بشارات تحت هذه البشارة ؟!
أحياناً تشعر أن فكرك يُسِّبح وأنت تتدبر! يبكي وأنت تتأمل! كما قال «نجم جرجان» أبو الحسن الجوهري !
فلم يُبقِ مني الشوق غير تفكري فلو شئتُ أن أبكي بكيتُ تفكرا.




http://www.alriyadh.com/1756223]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]