عندما نقف على واقع الرؤية اليوم ندرك حجم النقلة النوعية الذي أحدثته في المجتمع، عندما قدمت الرؤية نفسها كمنصة إشعاع حضاري ووعي نوعي، برهنت على أنها تمثل قيم الانفتاح والتسامح والاعتدال..
تحاول الرؤية أن تؤسس لفكرة الشخصية النموذجية ذات الأدوار المتكاملة في الفكر والسلوك والقائمة على التوازن المنهجي والاتساق الأخلاقي والمعرفي.. وذلك بعد أن كانت التقاليد القديمة والأعراف الاجتماعية والتوجهات الفكرية والدعوية والمذهبية تتولى تنشئة المجتمع على طريقتها وذلك عن طريق استثمار المخاوف والآمال في المجتمع على قاعدة الصواب والخطأ والذي يأخذ في الغالب أبعادًا نفسية وشخصية واجتماعية ومذهبية.
وعندما نقف على واقع تلك التوجهات نجد أنها وقعت في العديد من الأخطاء بسبب قصور قراءتها للواقع المحلي والإقليمي والدولي، وتناولها قضايا وموضوعات لا تحسن هضمها، وعدم وقوفها على البدائل الواقعية التي تستوعب المجتمعات والأزمنة.
ولذلك واجهت تلك التوجهات إخفاقات في أطروحاتها وأهدافها ومناهجها بسبب منهجيتها في التفكير ومفردات خطابها وتدني مستوى قراءتها للواقع، إذ ليست المشكلة في وجود فراغ في المجتمع وإنما المشكلة كانت تكمن في البحث عن حيازة الرأسمال الديني أو الاجتماعي وتوظيفه لحسابات أيديولوجية.
وقد نتج عن ذلك خطاب دعوي يدور حول نفسه ويمارس نفوذه في المجتمع بدعوى الحفاظ على قيم المجتمع مما سبب حيرة فكرية ما بين حالة التدين الفطري التي تسود المجتمع والتدين الذي يمثل هذا الفكر الجديد.
نشأ عن تلك الحالة الفكرية مشروعات دعوية شخصية ذات تبعيات واسعة تتحدث باسمها وتنشر تعاليمها وتمارس نفوذها في المجتمع، ولها علاقاتها الواسعة ومقاصدها وخطابها الدعوي وطريقتها في طرح قضايا الدين، أبانت عن توجهاتها في أن تكون إطارًا مرجعيًا لثقافة المجتمع.. فساد موقفان فكريان مختلفان ونشأ المجتمع معزولاً بعضه عن بعض، ولم تتوقف تلك المشروعات الدعوية على منطلقات الداعية الشخصية، وإنما أدخلت أفكار ونظم وبرامج وصراعات الجماعات والحركات المستوردة إلى مفاصل الحياة اليومية في محاولة لإعادة صياغة المجتمع ذي التوجه المحافظ إلى الصورة الحركية التي كانت عليها تلك النظم..
وأسقط على المجتمع توجهات تلك الجماعات وطريقة إدارتها للصراعات والقضايا الثقافية السائدة: كالغزو الفكري، والتغريب، ومعادات التيارات الفكرية، وثقافة الإقصاء والتصنيفات، وحملات التشنيع والجدل الفكري، وتسييس الدين وتسخيره لحسابات سياسية، والتعامل مع الأزمات وكأنها قدر تاريخي غير قابل للحلول.. وهي مظاهر وسلوكيات خارجة عن الأنساق الثقافية السائدة في المجتمع في محاولة لعزل المؤسسة الشرعية ومخاطبة المجتمع مباشرة ووضع الدين في قلب الفضاء العام بعيداً عن النهج التقليدي للمؤسسة الشرعية.
وذلك من خلال التمركز في عصر الصورة وأدواته، وهو شكل للتدين يجمع ما بين الثروة والتقوى والسياسة مستلهمين أفكار حركتي فتح الله غولن في تركيا ذات الإمكانات المؤسسية الاقتصادية والإعلامية الهائلة ذات الصبغة الإسلامية.. وحركة الداعية الإندونيسي عبدالله جمنستيار ذات الخطاب الجماهيري الواسع والتاريخ الوعظي العريض.
وهذا بالضبط ما كان يراهن عليه الدعاة الجدد، مشروعات دعوية ذات تبعية واسعة متحمسة لها لسانها التلفزيوني الذي يتحدث باسمها وينشر تعاليمها ولها علاقاتها الواسعة التي تمارس بها نفوذها في المجتمع.
وقد تعاظم أثر هذه التيارات وشكلت أداة ضغط على المجتمع مستفيدة من حالة التغيرات التي سادت المجتمعات واللحظة العولمية وعصر الصورة ليأخذ الخطاب الدعوي صورة جماهيرية واسعة محاولاً تعزيز نفوذه وتدعيم مواقفه وتوسيع انتشاره مما استوجب دراسته وتبين أثره النهائي على المجتمع، وهل هذا الأثر النهائي على وفاق مع قيم المجتمع أم أنه أثر سلبي يؤدي إلى اضطراب المعايير الاجتماعية وتنشيطها في اتجاه الاختلال وعدم التوازن.
ومعروف أنه من حق المجتمعات أن تعمل على حماية كياناتها وتحافظ على شخصيتها بالصورة التي يجمع عليها أفراد تلك المجتمعات، فحق المجتمع في البقاء قد يقدم أحيانًا على حقوق الأفراد غير أنه يتأكد ويتعزز بتأكيد وتعزيز حقوق أفراده.. وهذا يدفعنا إلى فكرة التأسيس الناضج لمشروع الانفتاح والخروج من نفق الأفكار المعزولة عن الواقع في اتجاه تنضيج الوعي.
إن أفضل طريق نستعيد به توازننا وضوحنا وضوحًا مطلقًا تجاه قيمنا والعيش تبعًا لها، وهذا يأخذنا إلى إحداث تغييرات فكرية نوعية عميقة ومنفتحة تتمتع بسعة العقل وشمولية الرؤية تقوم على تكوين رؤية منفتحة، وذلك عن طريق بناء نموذج فكري وطني يقوم على نقاط التلاقي الثقافي والحضاري والإنساني.. فالعقلية الواعية قادرة على التعايش مع مختلف التنوعات الإنسانية والأطياف والشرائح الاجتماعية المختلفة.. إذ لم تعد البيئات التقليدية اليوم قادرة على الانفتاح على الثقافات والتفاعل مع أفكار العصر.
وعندما نقف على واقع الرؤية اليوم ندرك حجم النقلة النوعية الذي أحدثته في المجتمع، عندما قدمت الرؤية نفسها كمنصة إشعاع حضاري ووعي نوعي، برهنت على أنها تمثل قيم الانفتاح والتسامح والاعتدال.




http://www.alriyadh.com/1760684]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]