المسرح عشق وعشيق. لا يحب البيع والشراء، ولا يأبه بالمال ولا ينظر إلى شباك التذاكر، فإن عرضته في سوق التفاهة، أصبح عبداً لمن دفعوا الثمن! فلا يلتقي المسرح والتجارة والمال على الإطلاق
قد يسأل الكاتب نفسه: هل أقدم على كتابة مسرحية؟ ثم إذا كتبتها، فما الفائدة؟ فالناس لم تعد تذهب للمسرح، فالسينما والتلفزيون قد اختطفت قلوبهم وعقولهم! فلماذا يتعب الناس أنفسهم بالذهاب إلى المسرح، عناء وزحام، ومبالغ مالية تدفع في شباك التذاكر، وجلسة طويلة على كرسي في ضوء خافت يمنعك أن تشعل سيجارتك! بينما يمكنك أن تضغط الزر على جهازك وتخرج من أي شبكة إلكترونية فيلماً رائعاً، وأنت مسترخٍ على أريكتك!
كلها تساؤلات تعصف برأس الكاتب، أو من يريد أن يكتب المسرح (ما الفائدة) من كتابة المسرح؟!
وسأختصر الطريق وأعاجلك بالإجابة. إن كان كاتب المسرح به عشق وولَه بالمسرح يكتب ما يكتب فيطرح ما يراه ويعالج أفكاره؛ يتألم ويرقص، يبكي ويضحك، يطير في الفضاءات الرحبة، ويهبط في دهاليز مظلمة كل ذلك تقلباً بين اللذة والكدر كلما تقلبت ريشة قلمه على صفحة الورق. حينها أعدك بأنك ستكتب مسرحاً رائعاً. فلا تبحث عن الفائدة؛ وعن ماذا أستفيد؟ وهل سأنجح وأصبح نجماً لامعاً في فضاءات الكتاب العظام؟ وهل سأمتطي صهوة الطائرات محمولاً على أعناق الآخرين وأعبر الحدود نحو العالم الفسيح ليتزاحم الناس لالتقاط الصور التذكارية معي، ثم ماذا يقول النقاد عني؟ فإذا ما خالجت نفسك هذه التساؤلات، فأنا أعدك أنك لن تكتب مشهداً واحداً يخرج من درج مكتبك، وإن خرج مات مع أول عمل على خشبة المسرح.
المسرح عشق وعشيق. لا يحب البيع والشراء، ولا يأبه بالمال ولا ينظر إلى شباك التذاكر، فإن عرضته في سوق التفاهة، أصبح عبداً لمن دفعوا الثمن! فلا يلتقي المسرح والتجارة والمال على الإطلاق.
لننظر إلى كتاب المسرح العظام فقد كانوا للفقر أقرب منه إلى الغنى، ولم يكتبوا لكي يصبحوا أغنياء أو يشتهروا أو يتاجروا بأقلامهم وبآرائهم، ويجمعون المال. وإنما كتبوا لكي يفرغوا ما بجعبتهم من ألم وليصنعوا عالماً زاخراً من الخيال، وتلك هي مبتغى طموحاتهم لأنهم يحصلون على اللذة والمتعة من العيش والتعايش مع هذا العالم المفترض، في غرفهم وفي خلوتهم، فيحصلون عن التعويض عن ألمهم وما افتقدوه. حينها المسرح يعشق من عشقه، ويدرك بحذق عميق من يدلِّس عليه ومن يتملقه!
يقول الكاتب المسرحي الإسبانى (خاثينتو بينافينتي 1866 - 1954) والحاصل على جائزة نوبل في المسرح في مقدمة مسرحيته "عش الغريب": "لقد أحببت المسرح من أجل المسرح نفسه، ولم أذهب إليه أبغي المال ولا التصفيق بل التسلية والتجول بين جنباته".
ولذلك، اكتب للمسرح لأنك تحبه. لأنك تكرع من كأس لذته وأنت تخرج من رأسه كل يوم وليداً جديداً، يملأ المنزل عليك بهجة ولذة. ثم يملأ الدنيا حباً وألماً وجمالاً، حينها سيعطيك كل ما لم تسأل نفسك عنه وأنت تبادره وداً بود، وحباً بحب وعشقاً بعشق. سيمنحك ما لا تمنحك إياه أي حرفة أخرى "المجد والخلود"، وربما المال. فهذا هو شكسبير عشق المسرح، وهو عامل إسطبل للخيل -كما يقال- حينما يدخل النظارة إلى قاعة العرض، جاور المسرح فأحبه حتى عشقه، فأعطاه المسرح المجد والخلود، والمال أيضا حتى ملأت قصوره أرجاء بريطانيا!. وها هو (فريدريش دورينمات 1921 - 1990) كتب المسرح وهو لا يعتقد أن كتابته لن تتعدى نافذة منزله وكان راضياً قانعاً بهذا؛ فامتلأت دور النشر العالمية بمؤلفاته حتى يومنا هذا، حتى أن الدولة منحته قصراً كبيراً وخدماً لكي يتفرغ للكتابة المسرحية آنذاك؛ واليوم تتنازع دولتان على جنسيته!
فما هو السر وراء كأس الخلود هذا (المسرح)؟! وما الذي ذلل صهوة هذا المهر الجامح لهؤلاء العباقرة؟ هل هي العبقرية والموهبة؟ أم هي الحرفية والصنعة؟ أم الاثنتان معاً؟ فإذا ما كان لظهور الاختراعات الحديثة فى العصر الحديث مثل السينما والتلفزيون ثم الشبكة العنكبوتية مؤخراً؛ قد زاد من إلقاء الأعباء على كاهل الكاتب المسرحى لعدة أشياء مهمة. أولها تحطيم ذلك الحاجز الفراغي. وثانيهما وسع العدسة المستفيضة المتقصية التي تتلمس أدق العواطف وأشدها إرهافاً، ثالثها هو الجمهور حيث اختلف من استجابة الجماعة إلى استجابة الفرد الواحد كما أن النظارة عبر الشاشة هم المسيطرون على الزمن على غير ذلك إلا أن المسرح هو المسيطر على زمن المشاهدة!
فخاصية (هنا. الآن). آنية الحدث وطزاجته، في حضور متقن لا يخالطه غياب هي تلك الحيوية الوجدانية المكتسبة حين المشاهدة. فالحوار فيه هو سيد الموقف. والحيوية هي سمته الأولى، ثم إن الكتابة المسرحية تمتاز بالتكثيف. ومن هنا يتحتم على الكاتب المسرحى أن يكون أكثر قدرة على التخيل الذهني لكي لا تكون الشاشة هي مدرج النظارة الأخير
ولذا نقول اكتب المسرح بلا خوف أو توجس فالخوف هو آفة الكاتب المسرحية، وميدانه المتعة مع ذاته حين يكتب فالمتعة معدية سرعان ما تنتقل إلى المتلقي إذا ما أحسها الكاتب، إما أن يضحك أو يذرف الدموع.




http://www.alriyadh.com/1760695]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]