إذا أرادت الأمة النهوض نحو تحقيق المجد وبناء حضارة راسخة¡ فعليها طي تاريخ الانتكاسات القديمة¡ سوى عن الرجوع إليها من باب التصحيح إن كانت صالحة للإصلاح أو للعبرة والدراسة النقدية.
فالنقد ضرورة ملحة لعملية البناء والإصلاح في كل المجالات¡ سواء العلمية أو الاجتماعية أو السياسية. وهذا الفكر له مجالات عديدة¡ ويفتح آفاقا واسعة للابتكار السليم والتنوع الثقافيº إذ لا يمكن استمرار التطور من دون النقد والملاحظات الدقيقة نحو الأشياء الحساسة والضرورية.
هذا من ناحية صناعة الحضارة وتطويرها واستمرارها بالشكل الصحيح¡ ولا مشكلة من توقف الحضارة على نمطٍ معين أو زمنٍ محدد¡ فمثلاً لو توقفت الحضارة الغربية الآن¡ ولم تلحقها حضارة متأخرة كالصين مثلاً¡ فرأيي لا بأس طالما لا يوجد نكوص ولا خواء ولا حضارة مقبلة بقوة تُنافس الحضارة الحالية.
التطور هو روح المنافسةº حيث لو توقفت فسيسبقك الجميع¡ فنحن في سباق ماراثون¡ فالذي يتعثر ويتوقف يخسر ما بناهº إذ لا فائدة من وجوده¡ ولن يشعر بكيان ما صممه¡ والسبب أن هناك ما هو أفضل بكثير.
لهذا نحاول مراراً تحقيق التنافس¡ والوصول إلى المراكز المتقدمة في تحقيق الإنجازات العالية¡ وأن نكون حضارة عملاقة¡ وإن حققنا ذلك¡ فالضرورة تفرض علينا الاستمرار والتطوير¡ مع جانب الملاحظات والنقد البناء لا النقد الهدام¡ أو نقد مبني على جهل وضلالات أو مقاصد شخصية.
بجانب النقد والرجوع إلى الإرث القديم المناسب¡ لا بد من دراسة الحضارات الحالية¡ كيف بدأت وكيف تطورت. ولا بأس من التقليد بشكلٍ مؤقت¡ فالبداية تكون دائماً تقليدا¡ ولكن نهاية المطاف ستضع لمساتك الخاصة وأفكارك الجديدة. خذ مثلاً قيام الحضارة العربية الإسلامية عندما اكتملت الدولة الأموية¡ ثم لحقتها العباسية¡ كان تأسيسهما مبنياً على إرث الحضارات السابقة¡ كاليونانية والرومانية¡ إضافة إلى المصرية¡ فكل الذي تعرفه حالياً من ثقافة وتصميم هندسي وتنظيم سياسي وإداري حتى عسكري جُله من هذه الحضارات المندثرة¡ ولكن مع شيء من التغيير.
فحضارة الغرب الحالية استفادت كثيرا من الحضارة الإسلامية القديمة¡ وأخذت على عاتقها دراسة كل الحضارات السابقة. واليوم¡ نرى صحوة التنين الصيني يُستنهض بقوة¡ ويعيد بناء حضارته من جديد على نمط مختلف جامع كل النسخ الحضارية السالفة في حضارة واحدة.
هذه هي الأمم الإنسانية ينسخ بعضها بعضا¡ تموت حضارة وتحيا أخرى¡ كأن الثقافات تنتقل من نمط إلى آخرº لأن الثقافة والفكر والأدب جميعها فنون إنسانية لا تموت¡ بل تنتقل إلى الذي يهتم بها¡ ولا تزدهر إلا بوجود حضارة حقيقية فيها التنوع والتعدد والاختلاف لا الخلاف.




http://www.alriyadh.com/1760793]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]