ما أزال أذكر مناسبات الزواج في الحارة، بكل البهجة التي تحف بها، لمدة أسبوع كامل، في كل يوم منها فعالية، حتى فعالية الليلة الكبيرة، التي تنتهي مع ساعات الفجر الأولى، عندما يُزف العروسان إلى بيت الزوجية، دون أن يغرم أهل العروسين ريالاً فوق ريالات المهر القليلة! والبركة في كل ذلك تعود إلى "القود" أو "الرفد" الذي يقدمه الأهل والأصدقاء للعريس، وهذا "القود" كان يشمل، النقود، الخرفان، الحطب، الشاي والسكر والقهوة، الأرز والسمن والدقيق، وهناك من يتبرع بالخيمة المخصصة للنساء، وبتأمين فيلم سينمائي تجهز له شاشة من قماش أبيض، على أحد جدران الحارة، ومع الفيلم من يشغله (وقد شاهدت عندما كنت صغيراً، فيلم "ليلى مراد" شاطئ الغرام، في زواج أحد أقاربنا)، ومن ليالي أسبوع الفرح، ليلة للطرب، وليلة للمزمار، وليلة للعبة الزير، وبين هذه وتلك جلسات حتى الهزيع الأخير من الليل، للحكي، ولعب "البلوت"، وكافة الليالي، كان يقدم فيها العشاء بواسطة الطباخ، الذي كان يعسكر وسط باحة الحارة هو وعماله، طوال أيام الأسبوع، وفي يوم الجمعة، كانت تقدم صباحاً "الزلابية مع الشيرة"، والأرز واللحم ظهراً، هاتان الوجبتان كانتا تقدمان للموجودين من الجنسين، في مقر الزواج، وتُرسل منهما صحون لمنزل كل من أرسل قوداً، وهناك وليمة غذاء، بمناسبة مرور أسبوع على الزواج! وكانت العادة تقتضي أن يظل العريس أسبوعاً في منزله، لا يخرج منه إلا للضرورة، ويتولى أحد أصدقاء العريس توصيل المقاضي إلى منزله، حتى نهاية الأسبوع. ولأن التعليم في ذلك الوقت لم يكن منتشراً، ولم يكن التلفزيون قد ظهر، فقد تلمح بجانب العريس رجلاً من خيار الناس، يلازمه حتى يزف على عروسه، مهمة ذلك الرجل تبصير العريس، بما لا يعرفه عن الحياة الزوجية، من حسن العشرة والرفق، مع أن حالات الطلاق والخلاف بين الزوجين في ذلك الوقت الذي لا يرى فيه العريس عروسه إلا "ليلة الدخلة"، كانت نادرة! هناك من يسألني الآن، وهو يقرأ كل هذا الكلام، الذي يعده "فشراً"، كيف يقوم "القود" بكل ذلك؟ كان لكل زواج "مقدم"، وهو رجل من أهل الصدق والأمانة، يقوم بمهمته مجاناً، ومهمته التواجد في مدخل الحوش، ومعه دفتر يسجل فيه "القود" الوارد للعريس، واسم مرسله كاملاً، وعنوان الحوش الذي يسكن فيه، وفي نهاية تقديم "القود" يقدم الدفتر للعريس، حتى يرد لكل صاحب قود قوده عندما تحل مناسبته، وهي زواجه أو زواج أحد أولاده، مهما طال الزمن. القود ديْن واجب السداد في وقته، بعد انتهاء الزواج يقوم "المقدم" أو أهل العريس بجرد المتبقي من "القود"، من المواد الغذائية أو الحطب، وعرضه على أحد أصحاب المحلات، الذي يشتريه بسعر السوق، وبثمنه يوسع العريس على نفسه، ويسد ما عليه من التزامات مالية، زواج التكافل الآن محله زواج الجمعيات الخيرية، والتمايز والتفاخر في المهور وحفلات الزواج والدخلة وشهر العسل، ولا داعي للحديث عن تنامي حالات الطلاق، التي توازي كل ذلك وأكثر. أحياناً يكون الفقر سترة وتكافلاً!




http://www.alriyadh.com/1771672]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]