النمسا وألمانيا جارتان، كلتاهما تحكيان اللغة الألمانية، ولهما تقاليد وتاريخ متقارب، لكن هناك فرق شاسع بينهما في نقطة صغيرة: نسبة التبرع بالأعضاء 100% في النمسا، لكنها 12% في ألمانيا فقط!
ما سبب ذلك؟ كيف يشتركان في الحضارة والأعراف وكثير من الأشياء، لكن يتباينان هنا بونًا ضخمًا؟ لا يسري هذا فقط على هاتين الدولتين، بل انظر للسويد والدنمارك، أمتان متجاورتان وتشتركان في الإرث الإسكندنافي الذي يعود إلى الماضي قرونًا، لكن 86% في السويد وضعوا على أوراقهم الرسمية أنهم يقبلون التبرع بأعضائهم، فيما حصل لهم حادث ما مقابل فقط 4% في الدنمارك. ما السبب في هذه الفروق الكبيرة؟ الصياغة.
يُعرَف الشخص الذي يوافق على التبرع بأعضائه بعد وفاته بأن توجد هذه المعلومة في رخصة قيادته، والذي يسبب الفرق هنا في النمسا والسويد واللتين لديهما نسبة عالية من القبول بالتبرع أن السائق يُعطَى – عند إصدار الرخصة – الخيار ألا يتبرع بأعضائه، بينما في ألمانيا والدنمارك فالمربع يصيغها بأن الشخص لديه الخيار أن يتبرع، وهذا الفرق سببه كسل في طريقة التفكير الطبيعية للبشر، فلو كان على الشخص أن يؤشر على المربع، فيعني هذا أن عليه أن يفكر أولًا ثم يتخذ قرارًا، وهذا يستثقله المخ! صياغة السؤال لها تأثير ضخم، لذلك لما كان الخيار الافتراضي للسويديين والنمساويين هو التبرع، وافق المخ على ذلك وتبرّم من التغيير.
صياغة السؤال تؤثر في الإجابة، وحتى الأطباء في جامعة هارفارد لم يكونوا بمأمن من هذا، ففي سؤال عن أي طريقة أفضل في علاج السرطان: الجراحة أم الأشعة، أُعطي الأطباء الوصفين التاليين لنتائج الجراحة المعتادة: 1) فرص النجاة في أول شهر 90%. 2) هناك احتمال وفاة 10% في أول شهر. ماذا اختاروا؟ النتيجة أن الأكثرية فضلوا الجراحة على الأشعة في الصيغة الأولى، رغم أن الاثنين الشيء نفسه، لم يختلف إلا الصياغة.
إن العقل البشري ليس موضوعيًا محايدًا لا يرى إلا الحقائق المجردة كما ترى، بل أعطه الحقيقة نفسها بطريقتين مختلفتين وسيغيّر اختياره.




http://www.alriyadh.com/1786228]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]