"رداً على إعلاني، وقف شاب ساكتاً، ذات صباح، عند عتبة مكتبي، وقد كان الباب مفتوحاً، نظراً لأن الوقت كان صيفاً. أستطيع تصور ذلك المظهر الآن: نظيفاً بشكل شاحب، مهذباً بشكل يرثى له، وبائساً على نحو يتعذر شفاؤه! كان ذلك بارتلبي!".
السطور السابقة من قصة طويلة، بعنوان: "بارتلبي النساخ" للكاتب الأميركي المعروف "هيرمان ملفيل"، هذه القصة المشوقة، أصبحت بمثابة إشارة على الحال التي تنتاب بعض الكتاب عند محاولتهم الخروج على مألوف روتينهم الذي ألفوه وتعايشوا معه، حتى لم يعد بإمكانهم التمرد عليه إلا بصعوبة. بل إن بعضهم لم يستطع الفكاك منه فتوقف عن الكتابة، بعد عمل أو عملين! حتى وصلت الحال ببعضهم إلى التوقف نهائياً عن الكتابة!
وقد صدرت رواية لكاتب إسباني باسم "بارتلبي وشركاه"، اعتمد كاتبها، "انريكه بيلا ماتاس" نص "ملفيل"، مقابلاً لنصه، متبعاً شكلاً روائياً جديداً، اعتماداً على سيرة العديد من الشعراء والروائيين وكتاب المسرح، والمآزق التي وجدوا أنفسهم فيها عندما قرروا الخروج عن خطهم. حيث عانى الكثير من الكتاب من هذا المأزق، مثل الكاتبة اللبنانية "ليلى بعلبكي" التي أصدرت روايتين ومجموعة قصصية، أبرزها "سفينة حنان إلى القمر"، ثم توقفت. أما الكاتب المصري "عادل كامل" فلم يصدر إلا روايتين أبرزهما "مليم الأكبر"؛ حتى "نجيب محفوظ" لم يستقر على مرحلته الوسطى إلا بعد توقف دام أكثر من عشر سنوات!
وعندنا في المملكة كان "حمزة بوقري" ينبئ بروائي كبير، بروايته "سقيفة الصفا" لكنه توقف بعدها! وهناك الشاعر "ناصر أبوحيمد" الذي أصدر ديواناً واحداً، والقاصان "محمد عالم الأفغاني، وسليمان سندي"!
أما النماذج العالمية، التي توقفت أمامها رواية "بارتلبي وشركاه" فقد كانت واسعة؛ فقد حاول "كافكا" أن يخرج عن خطه الذي عرفناه في "المسخ، وأميركا، والمحاكمة" دون جدوى "إن الشيء الوحيد الذي بات قادراً على الكتابة فيه، وضيع جداً، إذ أكد لنفسه بأنه يستطيع، وحسب الكتابة، حول أساس استحالة الكتاب!".
وفي إسبانيا عد "ببين بيو" كاتب الـ"لا!" بامتياز، وهو النموذج العبقري، للمبدع الإسباني، بلا أعمال أدبية. يظهر "بيو" في كل القواميس، يُذكر له نشاط لا مثيل له، مع ذلك فليس لديه أي كتاب، اجتاز التاريخ الفني دون أن يكون له رغبة الوصول إلى قمته. هذا الكاتب يذكرنا بالحكاء المصري "إبراهيم منصور" وبالحكاء اليمني "عبدالله بامحرز"، كلاهما رحل عن هذه الدنيا، دون أن تكون لهما إصدارات أدبية، مثل السيد "بيو" تماماً! يقول بطل رواية "بارتلبي": "إن جيرمي ديفيد سالنجر كان هناك في مؤخرة الباص، فيما لو لم يرمش بين حين وآخر، لكنت تخيلته صنماً، وليس بشراً. كان هو "سالينجر"، اسماً لا غنى عنه في تاريخ فن الـ"لا"، هو مؤلف لكتب جوهرية ومعروفة، أبرزها "الحارس في حقل الشوفان" والتي بعدها مكث ستة وثلاثين عاماً في صمت قاس، يرافقه حرص أبدي على عدم التدخل في حياته الخاصة!"
هناك قصتان، يقول بطل "بارتلبي وشركاه" لا غنى عنهما، مؤسستان لنمط داء "بارتلبي" وشاعريته أيضاً، هما "ويكفيلد" لـ"ناثانيل هوثورن" والأخرى هي "بارتلبي النساخ" لـ"هيرمان ملفيل"؛ ففيهما رفض للحياة الأسرية في الأولى، وللحياة عموماً في الثانية، وعلى الرغم من أن هذا الرفض، ليس له علاقة بالأدب، إلا أن تصرفات البطلين ستشكل بالنسبة للكتب المستقبلية دلالة على رفض الكتابة والمشهد الكتابي.




http://www.alriyadh.com/1786624]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]