القضية لم تعد ذلك الإلمام باقتصاد المعرفة فحسب، وإنما في وضع استراتيجية معرفية لكيفية التأثير في الإنسان المعاصر، الذي لم يعد يؤمن بكل الطرائق التقليدية التي لا تزال حاضرة على الساحة مع محاولة الإمساك بأهدابها!
أحداث مهمة وفعاليات كبيرة لم ننتبه لها ولدراستها ولنقدها وتحليلها وتسليط الأضواء الإعلامية عليها! حدث تجمعت له مئتا دولة تحمل في خواصرها ألمًا وأوجاعًا، جاءت تتلمس الدواء والشفاء لداء تفكك المفاصل العضال، الذي استفحل حتى أصبحت دول العالم جميعها تبحث له عن مخرج، ومؤتمر هنا وفعاليات هناك، وضجيج لا نلقى له أي صدى في وسائلنا الإعلامية بالشكل الذي ينقل هذه الفعاليات إلى مدارات التطبيق على مستوى الأفراد والمؤسسات!
فذلك النشاط الكبير في كثير من دول ليست المحلية أو العربية فحسب، وإنما العالمية منها أيضًا، يرجع إلى تلك الطفرة التقنية والرقمية والطيف الراديوي الذي - فيما نعتقد - أن العالم أجمع لم يكن على مستوى الجاهزية له!
ولذا نرى تلك القلاقل في كل أنحاء العالم، وكأن العالم قد جن أو قل قد فقد عقله، رغم هذا العمل الدؤوب على ربط مفاصله.
فمنذ أيام قليلة كان العالم يجتمع في مؤتمر عالمي - بشرم الشيخ - للاتصالات الراديوية؛ وذلك لاستعراض ومراجعة لوائح الراديو، عند الضرورة، والمعاهدة الدولية التي تحكم استخدام طيف الترددات الراديوية ومدارات السواتل المستقرة والسواتل غير المستقرة بالنسبة إلى الأرض. وتتم المراجعات بحسب جدول أعمال يقرره مجلس الاتحاد الدولي للاتصالات؛ لما يشكله ذلك الطيف الراديوي وما يتركه من أثر في استقرار ليس دول العالم فحسب وإنما الكرة الأرضية أجمعها؛ وكل ذلك بدوره على الأفراد فرادى غير مجتمعين!
ثم نجد الرياض في الوقت ذاته تقيم فعاليات الدورة الرابعة لمنتدى أسبار تحت شعار "السعودية ملهمة"، وبحضور وزير الإعلام تركي بن عبدالله الشبانة ولفيف من العلماء والمثقفين وأصحاب المعالي تحت قيادة سمو الأمير فيصل بن بندر أمير منطقة الرياض، فالوزير الشبانة يقول في كلمته منوهًا عن دور الإعلام والتقنية الرقمية: "نحن اليوم بحاجة إلى فهم التحولات الإعلامية في العالم، والاتجاهات التكنولوجية التي ستسهم في تغيير منظومة وصناعة الإعلام، والتأثير في نمط وسلوك المتلقي، ومدى تفاعله مع وسائل الإعلام في المستقبل". كما أنه يؤكد "أن تطوير المحتوى الإعلامي يمثل تحديًا حقيقيًّا في ضوء تغير خصائص مستخدمي وسائل الإعلام الذين سيكون معظمهم من أبناء الجيل الرقمي، الذي لا يحمل ولاء كبيرًا للوسائل التقليدية والمحتوى التقليدي.. فمع تعدد منصات النشر وتنوعها، وزيادة التنافس بينها على المستخدمين، فإن المحتوى الإعلامي لن يكون على المحتوى الحالي نفسه.. وسيتطلب الأمر إنتاج قصص إعلامية مفعمة بالحياة، ومزودة بالعناصر المرئية والوسائط المتعددة؛ لتكون قادرة على جذب المستخدم، وإثارة انتباهه، وإبقائه أطول فترة ممكنة على المنصة الإعلامية".
كما أن إصدار كتاب "نظرية مكويل للاتصال الجماهيري" يصب في الاتجاه نفسه، وذلك الهم العالمي والمحلي والعربي، وهذه النظرية تتناول مهمة الاتصال الجماهيري مع مرجعية للمجتمع والثقافة والاقتصاد والتطورات التقنية بما فيها الإعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي، ومدى قابليتها للتطبيق على المجتمعات المعاصرة، والهياكل الإعلامية حول العالم، وكيف يتم تنظيم عملها بشكل مؤسسي، وهذا منجز آخر في هذا السعي الحثيث.
هم ثقيل وتطلعات متسارعة في كيفية اللحاق اللاهث بهذا التطور الذي يبدو أنه أكبر من قدرات الاستراتيجيات المعدة مسبقًا!
فالقضية لم تعد ذلك الإلمام باقتصاد المعرفة فحسب، وإنما في وضع استراتيجية معرفية لكيفية التأثير في الإنسان المعاصر، الذي لم يعد يؤمن بكل الطرائق التقليدية التي لا تزال حاضرة على الساحة مع محاولة الإمساك بأهدابها!
ذلك الإنسان الذي أصبح مبعثرًا بين الحب والكراهية، والقبول والرفض، والاستقرار والنزاع في ظاهرة صراع درامي أكبر بكثير مما قرأناه في أساطير الإلياذة والأوديسة أو سيرنا الشعبية كالزير سالم وسيف بن ذي يزن والسيرة الهلالية وكل ما تغذى عليه الوجدان العربي والغربي بشكل عام؛ ولذلك أقيم مؤتمر مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز للحوار بين الأديان والثقافات في العاصمة النمساوية فيينا في تجمع عالمي كبير حضرته 200 دولة تحت شعار "دور الدين والإعلام والسياسة في مناهضة خطاب الكراهية"، وبخاصة دور شبكات التواصل الاجتماعي وصانعي السياسات في المنظمات الدولية والحكومية.
فخطاب الكراهية والتنمر والتعالي على الآخر، وانفلات التفكير البشري بلا قيود أو حدود أو تقاليد أو قيم ضد الأشخاص أو الجماعات، على أساس دينهم أو عرقهم أو جنسهم أو أي عامل هوية آخر، بوصفها مرتعًا خصبًا في فضاء الوسائل الرقمية، ما ساعد على انتشارها وتعاظم أثرها، ما ساهم في وصول محتواها إلى أكبر قدر من الناس دون أدنى قدر من المساءلة، فأصبح ذلك هم العالم أجمع! فيقول أمين عام مركز الملك عبدالله في كلمة الافتتاح، وهي كلمة موجعة تصب الملح على الجرح: "لقد جلب العصر الرقْمي معه إيجابيات عظيمة وكذلك سلبيات مدمرة لتضخيم الكراهية عن طريق إساءة استخدام تلك الهبة المشتركة العظيمة، ألا وهي اللغة.. داعيًا في كلمته المشاركين إلى دراسة وتبني أفضل السبل لتبني المطالبة باستخدام هبة اللغة من أجل ترسيخ قيم الخير والسلام والعيش المشترك بدلًا من السماح بإساءة استعمالها كوسيلة مدمرة لزرع التعصب والتطرف وتسويق الكراهية باستغلال الدين أو السياسة".
ومن هذا وذاك، يتضح لنا عظم حال المشكلة في ظل ذلك الطيف الراديوي الهائل واللاعب الأساسي في تكوين الذهنية الفردية دون الجماعية وصعوبة حلها في إطار يجعل الأفراد والقيادات والمؤسسات الدينية والإعلامية وصانعي السياسات في نسيج متجانس في لوحة عالمية متحضرة، ولم يغفل الأمين العام عامل المواجهة والمحاسبة؛ وأعتقد أنهما المخيَط الفاعل في نسج هذا الثوب المرتَّق!




http://www.alriyadh.com/1786625]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]