إن وظيفة الدين الأولى أن يعطي الإنسان تصورًا واضحًا لما هو الأحسن وما هو الأصلح، وأن يحدد له بدقة الغايات الصحيحة والأهداف القويمة التي ينبغي أن يتجه لها بسعيه وحركته، وأن يصحح كل تغيير يتناقض مع مثله وغاياته..
عرف العالم الإسلامي في تاريخه الحديث عددًا من المفكرين الذين سعوا إلى محاولة إيجاد مواءمة ما بين الإسلام والفكر الغربي المعاصر وذلك عن طريق إعادة النظر في تعاليم الإسلام وتأويلها تأويلًا جديدًا، وإن كان بعضهم قد فضل استعمال لفظ التطوير أو التحديث وأحيانًا لفظ التجديد.
فقد كان المفكر سيد أحمد خان (1817 - 1898م) أول من قام في الهند الحديثة بإعادة صياغة فكره الديني ليتواءم مع أفكار العصر الحديث، وذلك عن طريق تأويل وتكييف الدين ليتلاءم مع الحضارة الغربية.. ولم يكن سيد أحمد خان مجرد ممثل للنزعة العصرانية فحسب بل كان نموذجًا كاملًا لها، وقد ترجم ذلك من خلال إنشاء مدرسة سيد أحمد خان الفكرية، والتي أقامها على فكرة تقديم حقائق الدين في قوالب المعرفة المعاصرة.
وذلك لإيجاد مواءمة ما بين الإسلام والفكر الغربي وذلك بإعادة النظر في تعاليم الإسلام وتأويلها تأويلًا جديدًا، وكل الذين جاؤوا من بعده لم يضيفوا شيئًا جديدًا بل كانوا يعيدون صياغة أفكاره بصورة أو أخرى، ولذلك جعل نصب عينيه منذ تلك اللحظة هدفًا سعى لتحقيقه طوال حياته وهو أن يقلد العالم الإسلامي الحضارة الغربية في كل شيء.
وقد اقتفى أثره بعض المفكرين، ويعد د. محمد إقبال (1877 - 1938م) أثرًا من آثار مدرسته الفكرية، وبرغم أن د. إقبال رمز شعري إلا أن رؤيته الفكرية للغرب ترجمها في كتابه تجديد الفكر الديني في الإسلام، والذي هو عبارة عن محاضرات ألقاها العام 1928م في الجامعات الهندية بطلب من الجمعية الإسلامية في مدراس، وقد لاقى كتابه رواجًا وإعجابًا وانتشارًا واسعًا في الغرب.
وبرغم أنه لا يعد كتابًا فكريًا إلا أنه يمثل النهج العصراني وأذواق الغرب حيث يقدم د. محمد إقبال في هذا الكتاب نموذجًا متكاملًا للفكر العصراني الإسلامي.. حيث يؤيد صراحة الإقبال على الغرب باعتبار أن الثقافة الغربية في جانبها العقلي ليست إلا تطورًا للحضارة الإسلامية.
من هذه الآراء تتكشف معالم التجديد التي يدعو د. إقبال العالم الإسلامي إليها مركزًا على إعادة النظر في التراث وبناء الشريعة من جديد على ضوء الفكر والتجربة المعاصرة واستحداث تأويلات جديدة للمبادئ والأصول الإسلامية.
والسؤال: هل كانت تلك حقًا هي أفكار د. محمد إقبال الحقيقية التي أسسها على إيمانه الديني؟
تقول الكاتبة الأميركية مريم جميلة: لا شك بأن إقبال وقع في جملة من الأخطاء الفكرية والتي وجدت طريقها إلى كتابه تجديد الفكر الديني في الإسلام.
وبرغم أن إقبال شاعر ملهم وقد قرأ العالم أشعاره باللغة الأوردية والفارسية والعربية والإنجليزية التي كان يدافع فيها عن الإسلام إلا أن هذا الكتاب ناقض خطه الشعري، وإن كان إقبال اعترف في آخر حياته أنه وقع في خطأ كبير جراء أفكار هذا الكتاب.
فقد كان محمد إقبال يمر دومًا بمراحل مختلفة للتطور العقلي أثناء حياته ولم يستطع أن يكوّن فكرة واضحة عن الإسلام إلا في السنوات الأخيرة من حياته، ففي السنوات الأولى تداخلت أفكار فلسفية على حياته.
الكتاب بطبيعة الحال كتاب فلسفي وهو محاولة لإعادة بناء الفلسفة الإسلامية في ضوء المفاهيم الفلسفية الحديثة، والنظر في تعاليم الدين في ضوء الثقافة الحديثة، وعلى هذا الأساس كان إقبال يدعو العالم الإسلامي أن يقدم بشجاعة على التجديد.
ولكن السؤال: ما التجديد؟ ومن الذي يحدد ما الأحسن وما الأفضل في حياة الإنسان الاجتماعية؟
إن وظيفة الدين الأولى أن يعطي الإنسان تصورًا واضحًا لما هو الأحسن وما هو الأصلح.. وأن يحدد له بدقة الغايات الصحيحة والأهداف القويمة التي ينبغي أن يتجه لها بسعيه وحركته.
لقد نشأت العصرانية في منتصف القرن التاسع عشر حين كانت فكرة تطور المجتمع البشري فكرة مسيطرة على الأذهان وأولع بها الناس، ولكن ربما لا يوجد اليوم من بين المشتغلين بالعلوم الاجتماعية من يؤمن بنظرية تطور المجتمع البشري في خط واحد.
وإذا كانت فكرة التطور الاجتماعي بهذا المفهوم غير صحيحة إلا أن التغير الاجتماعي مسألة واقعة ومشاهدة، ووظيفة الدين أن يوجه التغيير، وأن يدفع به في مسار صحيح، وأن يصحح كل تغيير يتناقض مع مثله وغاياته.




http://www.alriyadh.com/1786627]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]