يعتبر ليوناردو دافينشي واحداً من العباقرة النوادر الذين جمعوا الإبداع في مجالات مختلفة مثل الهندسة والرياضيات والرسم والنحت وغيرها.. ويُروى أن دافينشي في بداياته تعاقد معه دوق ميلانو لتجسيد واقعة العشاء بين المسيح عيسى عليه السلام والحواريين الاثني عشر فيما يعرف بالعشاء الأخير في لوحة فنية لتعليقها في إحدى القاعات الرئيسة في دير القديسة مريم الشكور في ميلانو.
وتحمس دافينشي للفكرة وبدأ الرسم، واستطاع أن ينتهي من رسم الأوجه والشخصيات في زمن قياسي إلا أنه توقف عند شخصية (يهوذا الإسخريوطي) والذي وشى بعيسى عليه السلام وخانه. وحاول دافينشي أن يستلهم صورة وجه شخص شرير في أزقة ميلانو وزار السجون ليرى وجه المساجين والمجرمين بحثاً عن وجه مناسب ولكنه لم يقتنع.. وترتب على ذلك تأخر دافينشي في موعد التسليم. هذا الأمر جعل دوق ميلانو يتقدم بشكوى للحاكم ضد دافينشي لتأخره وتقاعسه عن إتمام اللوحة الفنية. هذا التصرف جعل دافينشي يستشيط غضباً ويرد على الحاكم قائلاً: "إن لم يدعني الدوق أكمل عملي بشكل سليم فسأرسم وجهه مكان يهوذا الإسخريوطي الذي خان السيد المسيح ليكون رمزاً للشر والغدر!".. مقالة اليوم تناقش قضية الإدارات المستعجلة على النتائج..
وننطلق إلى أميركا في يناير 1986م، في ذلك الوقت انفجر المكوك الفضائي تشالينجر بعد ثلاث وسبعين ثانية من انطلاقه. كانت الحادثة من أكثر الحوادث حزناً في تاريخ صناعة الفضاء الأميركية وفي تاريخ البشرية. وتم تشكيل لجنة لتقصي الحقائق ومعرفة الأسباب التي أدت لتلك الكارثة وكانت النتائج أن من أهم الأسباب هي:
ضغوط من الإدارة الأميركية على وكالة الفضاء ناسا للتعجيل بإطلاق المكوك وتحقيق مكاسب سياسية دفعت إلى إهمال وتجاوز الكثير من معايير وإجراءات السلامة الهندسية والتقنية.
ضغوط اقتصادية لتقليل التكلفة مما دفع ناسا لاستخدام مادة جديدة في هيكل المكوك أقل مقاومة للحرارة، ولم تكن تصاميم الأجنحة متناسبة مع المادة الجديدة مما جعل المهندسين يعالجونها بطريقة مستعجلة.
ولعل ما حصل مع المكوك تشالينجر مثال حي وعملي لما يمكن أن يحصل نتيجة الاستعجال غير المبرر من الإدارة..
وهنالك كلمة جميلة رواها لي أحد الأصدقاء عن مبدأ (التأخير بسبب الاستعجال!) ولتبسيط الفكرة فقد تجد أن شخصاً ما تأخر عن اللحاق بالطائرة والسبب هو أنه كان متعجلاً فنسي جواز السفر في المنزل، أو طباخاً طُلب منه أن يتم الطبخة بسرعة فنسي إضافة الملح.. بكلمة أخرى الاستعجال أحياناً تترتب عليه نتائج عكسية تماماً. وهذا لا يعني بطبيعة الحال عدم السعي إلى المكاسب السريعة وسرعة التنفيذ والمتابعة الدقيقة والإدارة الحازمة للمشروعات والتي تعد شيئاً أساسياً ومطلوباً ضمن الحدود المعقولة والقابلة للتنفيذ.
وختاماً، لا أرى فرقاً كبيراً بين الاستعجال الإداري المبالغ دون مراعاة المخاطر وقيادة السيارة بتهور.
وتذكروا أن الاستعجال الزائد قد يتسبب بمزيد من التأخير..




http://www.alriyadh.com/1786629]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]