كان الجوع يعصف بمعدة الراعي وكانت الريح الباردة تشوي وجهه وكان الطريق طويلاً والأغنام تسير في هدوء ووجل.. كانت تسير خلف الراعي في امتثال تجتمع كتلة واحدة ثم تتفرق وفقاً لسعة الطريق والتواءاته لتعود مرة أخرى إلى الالتحام ببعضها وكان هو خائفاً مذعورا فهذه المناطق الجبلية موئل السباع.. دب الذعر في قلبه؛ وفجأة توقفت الأغنام وقد أشهرت آذانها عندما خطف شيءٌ أمامها فجأة.. لم يتبين الراعي هذا الشيء من شدة الظلام ولكنه مؤمن بأنه ذئب.. شحن بندقيته وأطلق في الفضاء ولكنه لم يسمع إلا صوت إبرة (الضارب).. فقد كان بارود الرصاصة (ثافلاً) ومنتهي الصلاحية، بردت أعصابه وجف حلقه ثم اجتاحه**رعبٌ شديد فرفع البندقية بكلتا يديه وأهوى بها على حجرٍ أمامه. فتطايرت شظايا وقطعاً ولم يبق في يديه إلا (سبطانتها) وقال في نفسه أستطيع أن أخدش بها رأس الذئب إن هو اعتدى..
هبط السكون على الأغنام، وحين طال الوقوف أخذت تفحص التراب بأظلافها ثم أخذ بعضها يربض في مكانه ولم تمر غير لحظات حتى أصبحت كلها هاجعة على الأرض ولم يصدر عنها أي صوت لأنها تعرف بغريزتها أن الذئاب ستسمع حركتها، ظل الراعي واقفاً متخفزاً متعكزاً على بندقيته، وبعد طول انتظار خرج القمر شاحباً كأنه قرص جمر، فرح بخروج القمر ودب في نفسه شيءٌ من الأمن ثم راح القمر يزداد ارتفاعاً، ولكن ضوءهُ كان ضعيفاً والرؤية كانت مشوشة واستمر في وقوفه حتى صار يرى ظل جسده في ضوء القمر ممتداً كجذع نخلةٍ محروق.. اتسعت رقعة الإبصار أمامه وصار يميز بوضوح شجيرات العوسج والحرمل أي أنه أصبح قادراً على أن يميز الذئاب إذا اقبلت.. وفجأة خطف ذلك الشيء أمامه.. فتأكد أنه الذئب فصاح به والشرر يطير من قلبه: هاه، هاه، هب، هب، ولكن الذئب عاد مقترباً خاطفاً وسريعاً فأخذ يصيح به ويرميه بالحجارة، وما إن شرع في قذفه بالحجارة حتى أدركت الذئاب أن لا سلاح معه سيحميه.. فانقضت نحو الأغنام فاجتاحتها وأخذت تبعثرها خنقاً وتمزيقا وانضم إليها ذلك الشيطان الذي بدأ بالمناورة، فدارت معركة بين الأغنام من جهة والذئاب من جهة أخرى، الأغنام تدافع بثغائها والذئاب تفترس بأنيابها ومخالبها.. صار القمر في كبد السماء تنعكس أشعته على دماء الأغنام الأحمر القاني..
ولما انبثق نور الفجر واتضحت الرؤية أخذ الراعي يطوف على أغنامه الممزقة يصيح ويحثو التراب على رأسه.. حامت النسور ثم هبطت تجوس ما بين الأغنام وهي تمد رقابها وتمزق بمناقرها قلوب الأغنام وأكبادها.. وصل النبأ إلى أهل البلدة فهرعوا نحو أغنامهم فزعين وأخذوا يصيحون ويتراكضون خلف النسور، وكل يبحث عن نعجته لعله يجدها حيّة، لكن النسور حامت ثم عادت لأن أحداً منهم لم يجد شاة واحدة على قيد الحياة.. فاستشاطوا غضباً وهجموا على الراعي شتماً ورمياً بالحجارة حتى كادوا يسقطوه ميتاً، ولكنه في لحظة تهالكه وألمه صاح صيحة دوت في الفضاء وأفزعت النسور فصارت تخفق بأجنحتها، وهي على الأرض قائلاً: كيف أدافع عن الأغنام ببندقية ذخيرتها فاسدة؟




http://www.alriyadh.com/1786652]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]