نحن كعرب يشهد لنا التاريخ أننا قد سدنا العالم في حقبة ذروته، ليس بالقتل والسلب والنهب بقدر ما كان بيننا علماء وفلاسفة ومفكرون أضاؤوا جنبات أوروبا والعالم أجمع حينها بالعلم والمعرفة والفكر والحوار والبناء المعماري للعقل البشري..
نتعجب كل العجب مما يتناثر على أرضنا العربية من أقوال وأفعال تنشب الواحدة أظفارها في جسد الأخرى، وقد يوافقني الرأي أحبتي من القراء. هذا العجب يتمحور حول تحرك الوعي بشكل يبشر بعصر جديد من التنوير والذي سبقتنا له أوروبا بنحو ثلاثة قرون ونيف، وهو ما أطلقوا عليه عصر النهضة (Renaissance) هذا العصر الذي تحرك فيه العقل، وهو منهج قد سبت لدينا حقبة ليست باليسيرة.
إن تحريك العقل ليس بمعنى إغفال الوجدان، ذلك أنه يتنافى مع قيمنا وتاريخنا وهذا هو الفارق الكبير، حتى يتسنى لنا ذلك الأمر الذي ليس باليسير بين حفظ التراث والعادات والتقاليد والقيم والمعتقدات، وبين ما هو مستحدث يوجب فيه تحريك العقل؛ وهي معركة حقة سبق وأن خاضها الإنسان الأوروبي إبان عصر النهضة فواجه جاهلية العصور الوسطى وتطلع للعصر الحديث الذي كان يموج بالعلماء والمنظرين وكانوا يقتلون ويصلبون ويحرقون، لأنهم كانوا يقعون في إطار الخارجين عن القانون الطبيعي، يقول الأديب الكبير شوقي جلال: "كان صراع –آنذاك- طاحناً ومعارك وانقسامات واتهامات بالكفر والزندقة وأحكاماً بالقتل والتعذيب والحرمان.. ظناً أن التاريخ قد توقف عندهم مثلما يحلو للكثيرين بأن التاريخ قد قال كلمته"..
لذلك انتشر حينها التمرد والإرهاب والقتل واستباحة الدماء! وهذه حتمية تاريخية لا بد أن تطفو على السطح، حينما تحدث التحولات الإجتماعية، وحينما يطفو العقل على سطح الفكر وينتصر النور على الظلمات ويتحرك العلماء وتوقد شعلة المعرفة.
إن ما دعانا لهذا العجب هو قراءة التاريخ واستنباط منه ما يواجه الإنسان عبر مراحله الحتمية، التي لا تلبث أن تهبط حتى تعود مرة أخرى تجدد ذاتها فيما يسمى بـ (الحتمية التاريخية) وإن تعددت الأمكنة والأزمنة! فالإنسان هو الإنسان أينما وجد وإلا لما قص علينا القرآن الكريم القصص التي هي لكل زمان ولكل مكان، فالتاريخ لم يكن سوى نابض يدق في ناقوس العقل البشري حتى يقرأه لأنه يعيد نفسه!
من منا لم ينم وتزعجه مشاهد الدماء السيالة في كل أرض الله حتى توجسنا خيفة بأن علامات الساعة قد اقتربت؟! ولذلك كان يجب علينا التأمل فيما يحدث في عالمنا العربي من تمرد وقتل وإرهاب واتهامات بالكفر وبالزندقة وبالخروج عن طاعة الله! ولماذا كل هذا القتل وكل هذه الانقسامات! وهو أمر جد غير مخيف، إذا ما قرأنا التاريخ! وكيف أن الأمم السابقة قد ذاقت مرارة هذه التحولات، ولكنها كانت ومضات التنوير التي شقت سماءهم حتى وصلوا ما حصدوه من تقدم علمي نحن نلهث لكي نصل إلى ما حصدت أكفهم من ثمار تلك المعاناة ومن نور المعرفة.
إنها تقلبات ثنيات التاريخ، وميلاد الحضارات التي تصنع أمماً جديدة وتاريخاً جديداً مهما حاولت بعض الأفواه النفخ في الأبواق لإطفاء شعلتها العصية على الجهل والتبعية!
نحن كعرب يشهد لنا التاريخ أننا قد سدنا العالم في حقبة ذروته، ليس بالقتل والسلب والنهب بقدر ما كان بيننا علماء وفلاسفة ومفكرون أضاؤوا جنبات أوروبا والعالم أجمع حينها بالعلم والمعرفة والفكر والحوار والبناء المعماري للعقل البشري، ولكن كما أسلفنا فالتاريخ له حتميته التي يعيد تدوير نفسه من جديد إلى ما وصل إلى الخط الفاصل دون ذروته.
ولذلك نستطيع القول إن النور العربي بتاريخه سوف يعود حسبما تؤكده حتميته، وأن ما يحدث على أرضنا العربية، هو ما كان يحدث إبان خروج التنوير وهزيمة ظلام العصور الوسطى في أوروبا آنذاك وخروجهم إلى النور وإلى زمن الاختراعات التي نحيا عليها حتى يومنا هذا، فالتاريخ هو التاريخ وله ضوابطه التي تحكم الأزمنة عبر تغيير الأمكنة!
إن من يقرأ التاريخ الأوروبي إبان عصر النهضة والخروج من عصور الظلام يستطيع أن يقول في قرارة نفسه: ما أشبه اليوم بالبارحة. ولكن كل ما يهمنا في هذا الأمر هو النتائج التي تستند إلى مقدمات.
إن تاريخنا اليوم بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده الأمين حفظهما الله وحكومتنا الرشيدة وكثير من القادة العرب الغيورين على تاريخهم ليس سوى إحياء جديد لتاريخنا المجيد، وبحركة إصلاحية سيشهد بها التاريخ، وهي الاعتماد الكامل على (تحريك العقل وعلى مفهوم الإنسان). هذان الأمران إذا ما تحركا بشكل متقاطع –وهو بالفعل قد حدث- فليس لذلك مفهوم سوى استعادة التاريخ العربي الذي يبدأ حقبته الجديدة بحسب نظرية (الحتمية التاريخية).
إن ما نراه من تمردات ورصاص واستهجان وعنف وكل ما لا يتسع له هذا المقال، فهو إلى هاوية التاريخ، لأن التنوير قد بدأ ولن يوقفه شيء مهما ظنت الظنون. وأستعين بمثل جدتي رحمها الله حينما كانت تقول لي: (لا يمكث العسل إلا في فم آكله) وهو مثل ينطبق على أن شعلة النور في يد حاملها، وأما غيرها فهو زائف وزائل! وسنستعيد جميعاً التاريخ الذي لا يصدأ، فقد بدأت الحتمية التاريخية تعيد ذاتها مهما كانت العقبات.




http://www.alriyadh.com/1822425]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]