غيّب الموت هذا الأسبوع أحد المسؤولين الذين كان لهم دور بارز في نهضة الموانئ السعودية لسنوات طويلة. غيب الموت مدير عام ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام السابق، نعيم بن إبراهيم النعيم، التقيت به أول مرة عندما صدر الأمر الملكي بتعييني وزيراً للنقل وما يرتبط بذلك المنصب من قطاعات ومنها المؤسسة العامة للموانئ (الهيئة العامة للموانئ حالياً)، فور تكليفي بهذه المهمة قمت بزيارة لكل الموانئ السعودية، بدأت بميناء جدة الإسلامي باعتباره أكبر الموانئ السعودية، ثم ميناء الملك عبدالعزيز بالدمام ثاني أكبر الموانئ. وبمناسبة تعييني أقام مديره العام نعيم النعيم حفل غداء في برج الميناء المطل على ساحاته ودعا إلى الغداء المسؤولين في الميناء وكبار رجال الأعمال الذين لهم علاقة بعمل الميناء، وجدت الأخ نعيم شعلة من الذكاء وطاقة لا تنضب وحماس متقد.
بعد الغداء أخذني أحد رجال الأعمال إلى إحدى النوافذ وقال لي: انظر أمامك ويمينك وشمالك، أليس من المؤسف أن تكون هذه المساحات الكبيرة والأرصفة المتعددة خالية من الحاويات والسفن والنشاط الاقتصادي بشكل عام؟ كانت ملحوظة جيدة ولكنها مؤلمة في الوقت نفسه، وبعد الغداء قمت مع الأخ نعيم بجولة على الميناء بما فيه من ساحات وأرصفة وبنية تحتية وكانت هذه الملحوظة تطاردنا بكل مكان.
اتفقنا على العمل على تغيير الحال ليس في هذا الميناء فقط وإنما أيضاً في الموانئ الأخرى، بدأنا بمراجعة الأنظمة والإجراءات التي تعيق تطوير الموانئ، وكان نعيم - رحمه الله - مرجعاً في كل ما له علاقة بأنظمة الموانئ وإجراءاتها وما يواجهها من تحديات، واتضح من المراجعة أن أهم ما ينبغي اتخاذه على المدى القصير تسهيل الاستثمارات في الأنشطة التي لها علاقة بالميناء باعتبار أن الموانئ ليست فقط للتصدير والاستيراد كما كان سابقاً؛ وإنما هي قلاع صناعية تتضمن كل ما له علاقة بالنقل البحري من صناعة ومخازن ولوجستيات وغير ذلك.
وبتسهيل الإجراءات المتعلقة بالاستثمار تأسست في الميناء بعض الأنشطة المهمة من قبل القطاع الخاص ومنها شركة لصناعة أنواع معينة من السفن (القاطرات) أصبح إنتاجها ينافس ما تنتجه الشركات الدولية العريقة في هذه الصناعة، ومنها شركة لصناعة المنصات البحرية التي تستخدمها شركات البترول عند استخراجه من تحت البحر، غطت طلب أرامكو من المنصات بعد أن كانت تستوردها من الخارج وتعدته إلى التصدير إلى دول الخليج، وأنشأت معهداً لتدريب السعوديين على عمل المنصات وصيانتها استفادت من مخرجاته شركات البترول.
ولتوسيع الطاقة الاستيعابية للميناء تم بناء محطة جديدة للحاويات بتمويل كامل من شركة سعودية، وواحدة من أكبر شركات النقل البحري في العالم ضاعفت الطاقة الاستيعابية للميناء وزادت من أرباحه ونقلت خبرتها المتقدمة إلى المملكة، إضافة إلى اتخاذ العديد من الإجراءات الإدارية بالتعاون مع المسؤولين في الميناء من الجهات الحكومية الأخرى لتسهيل دخول وخروج البضائع، وكان الأخ نعيم على رأس هذه الإنجازات. وبعد سنوات قليلة أخذ نعيم - رحمه الله - رجل الأعمال في جولة على الميناء الذي تغير حاله فأصبح كخلية النحل، شكر ذلك الرجل الغيور الوزارة والميناء على ما تحقق من تطوير وأجابه نعيم بأنه هو الذي يستحق الشكر فقد كانت ملحوظته المنبه إلى وجود الخلل والمحرك للبدء في التطوير.
وعلى المدى الطويل اتضح أن تطوير الموانئ على المستوى المطلوب لا يمكن أن يتحقق بوجود نظام مؤسسة الموانئ الذي صدر منذ زمن طويل تغيرت خلاله المعطيات الاقتصادية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، وبالتالي لا بد لنظامها أن يواكب هذه التغيرات لتستطيع الموانئ السعودية المنافسة بجدارة على جميع المستويات. من أجل ذلك جرت الاستعانة بالبنك الدولي الذي أعد دراسة جيدة لتطوير نظام المؤسسة من أهم مخرجاتها تحويل المؤسسة إلى هيئة مستقلة بنظامها المالي والإداري، ثم أعدت دراسة من مكتب متخصص سعودي (مكتب الطويل) هي الأخرى جيدة أكدت ما ورد في دراسة البنك الدولي. ومع أهمية ما ورد في هاتين الدراستين من توصيات ومبررات مقنعة إلا أنه من المؤسف لم يؤخذ بهما، ولحسن الحظ بعد أن تولى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله - مقاليد الحكم، واهتمام سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود غير المسبوق بكل قطاعات الدولة، أُعيد فتح هذا الملف، وبدون تأخير صدر قرار مجلس الوزراء بتحويل المؤسسة العامة للموانئ إلى الهيئة العامة للموانئ باستقلال مالي وإداري، وبذلك أعطيت كل الأدوات التي تمكن من النجاح.
فور صدور قرار مجلس الوزراء اتصلت بالأخ نعيم هنأته بذلك وذكرته بالاجتماعات الماراثونية التي كنا نخوضها، وما كان يقوم به من جهود شبه مستحيلة لتحقيق هذا الهدف، وأن جهوده لم تذهب هباءً. تأخرت نتائج الدراسة لكنها تحققت في النهاية، وكم كان سعيداً بصدور هذا القرار، وعندما وصلني خبر وفاته حمدت الله أنه عاش حتى رأى نتائج جهده.
غفر الله لأبي إبراهيم وأدخله فسيح جناته، فقد أعطى كل وقته وجهده للوطن. كان كثير الأسفار متنقلاً بين الموانئ في الشرق والغرب من موانئ هونج كونج وسنغافورة والصين ودبي إلى موانئ أوروبا وأميركا وما بقي من وقته كان مشاعاً بين الرياض والدمام. كان كثير الحضور إلى الرياض لمناقشة الموضوعات ذات الصلة بالموانئ سواء على مستوى وزارة النقل ومؤسسة الموانئ أو على مستوى هيئة الخبراء، وكنت أرأف به وأقول له: لماذا لا تستأجر شقة في الرياض لترتاح من عناء السفر شبه اليومي بين الرياض والدمام؟، وكان جوابه أنه لا يريد أن يزيد غيابه المتكرر عن أهله وبيته. لم يترك - رحمه الله - وقتاً لعائلته حتى تربية الأبناء لم يجد لها وقتاً فتركها لزوجته ورفيقة دربه التي أحسنت تربيتهم فكانت نعم المعين ونعم الرفيق.
بقلم / الدكتور جبارة الصريصري




http://www.alriyadh.com/1841506]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]