يدعو الإنسان ربه ليكشف عنه الضر والفحشاء¡ وبنفس الوقت¡ يقرأ قوله تعالى في الذكر الحكيم: (سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا)º كما يقرأ قوله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر). بنفس الوقت¡ هو يوقن يقينا لا يتزعزع أن الطبيعة والعالم كله يسير وفق قوانين وسنن لا تتبدلº وبعبارة فلسفية "وفق ارتباط عضوي لا ينفصم بين الأسباب والمسببات". وذلك ما يعني أن كل مسبَّب/حدث¡ لا بد له من سبب فاعل يتقدمه.
إن الإنسان في هذا الوضع ليتساءل: إذا استجاب الله دعائي¡ فهل يعني ذلك أنه تعالى خرق قوانين/سنن الطبيعة من أجلي¿ لأنه ربما تصور أن استجابة الله تعالى لدعائه معناه أنه عز وجل سيعطل الارتباط المتلازم بين الأسباب والمسبب¡ فيعطيه المسبَّب دون أن يتعاطى السبب! ولهذا الأمر¡ قد يحتار الإنسان¡ فهو موقن¡ عمليا على الأقل¡ باطراد سنن الطبيعة¡ وبنفس الوقت¡ لا غنى له عن دعاء ربه¡ والالتجاء إليه¡ كونه تعالى قال في القرآن الكريم: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم).
إن إتمام الإنسان لفعله¡ أياً يكن ذلك الفعل¡ إنما يعتمد على إرادته وقدرته من جهة¡ وعلى موافقة الفعل لسنن أو قوانين الطبيعة من جهة أخرى..
إنها إشكالية عويصة¡ كما وصفها فيلسوف قرطبة¡ ابن رشد الحفيد¡ الذي تصدى لحل جانب منها كأول فيلسوف أو مفكر تعرض لهذه الإشكالية¡ وذلك عندما ناقش في كتابه (الكشف عن مناهج الأدلة) علاقة الحرية الإنسانية بمسألة القضاء والقدر.
إن القرآن لمملوء بما يفيد التلازم الضروري بين الأسباب والمسببات¡ سواء في العالم¡ ومنه الإنسان بعلاقاته المتشابكة¡ أم في الطبيعةº ومنها قوله تعالى: (فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا). وقوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)¡ وهو ما يشير إلى ضرورة تعاطي الإنسان للسبب حتى يحصل له المسبب (النتيجة).
ثمة اعتقاد موغل في الفكر العقدي الإسلامي¡ وهو فكر شكله الأشاعرة¡ بأن قلب الموجودات عكس طبيعتها دليل على قدرة الله الفائقة. وهكذا¡ قال الأشاعرة بـمبدأ (التجويز)¡ ويعني أن موجودات الكون جائز في العقل أن تكون على ما هي عليه¡ كجواز ألا تحرق النار¡ وكجواز أن تلد البقرة حصانا¡ وكجواز أن يغرس الزارع بذرة قمح فتخرج شعيرا. وكما أن الشمس تطلع من الشرق وتغرب من الغرب¡ فجائز في العقل أن تشرق من الغرب وتغرب من الشرقº ولكن¡ وفقال للأشاعرة¡ بما أن موجودات الكون وُجِدَتْ على هيئة معينة كشروق الشمس من الشرق وغروبها من الغرب¡ فلا بد أن يكون هناك مخصص جعلها على هذه الصورة دون تلك¡ مع قدرته على جعلها على عكسها¡ وهو الله تعالى وتقدس.
دحض ابن رشد الفكرة الأشعرية الموغلة في السذاجة بأن ذهب إلى أن اطراد سنن الطبيعة¡ ودوام طبائع الموجودات وانتظامها المستمر هو وحده الدليل على وجود الله تعالى وقدرته. فكما أن حسن الصناعة واطراد قانونها دليل على حكمة وروعة الصانع¡ فكذلك اطراد سنن الطبيعة دليل على قدرة الله تعالى وحكمته.
يمكن حل هذه الإشكالية¡ باستعارة نموذج ابن رشد لحل العلاقة بين الحرية من جهة¡ والقضاء والقدر من جهة أخرى. وهو نموذج يجمع بين قدرة الإنسان ورغبته¡ (توفر الإرادة¡ وفق النموذج الرشدي)¡ من جهة¡ وموافقة قوانين الطبيعة.
الإنسان عندما يدعو ربه¡ فهو بالتأكيد يرغب في ما يدعو ربه من أجله¡ مما يعني توفر الإرادةº وبنفس الوقت¡ فلا بد من أن يتوفر للإنسان ما وصفها ابن رشد بـ (الأسباب الداخلية)¡ وهي القدرة على استخدام سنن الطبيعةº ثم ضرورة ما وصفها ابن رشد بـ (مواتاة الفعل لسنن الطبيعة).
وهكذا¡ فإن إتمام الإنسان لفعله¡ أيا يكن ذلك الفعل¡ إنما يعتمد على إرادته وقدرته من جهة¡ وعلى موافقة الفعل لسنن أو قوانين الطبيعة من جهة أخرى.
ومن هذا المنطلق¡ فدعاء الله تعالى يأتي ضمن هذا النموذجº وهو ما يعني أن استجابة الله تعالى لدعاء الإنسان ليس معناه خرقا لسنن الطبيعة ونظام العالم¡ وإنما يكون¡ والله أعلم¡ هداية للإنسان إلى سلوك الأسباب الصحيحة التي توصل إلى المسببات.
والله تعالى هو خالق الكون والعالم ومسبب الأسباب¡ وهو الذي بقدرته الفائقة خلق التلازم العضوي المترابط بين الأسباب والمسبباتº وهو قادر على خلق أكوان أخرى¡ وابتداع علاقة أخرى بين الأسباب والمسبباتº وإنما جعل سبحانه الكون على تلك العلاقة بين المسبب والمسبب¡ والتي لا تتغير ولا تتبدل¡ رحمة بالإنسان¡ وتسهيلا له على تسيير حياته بما يتوافق مع إرادته وقدرته.




إضغط هنا لقراءة المزيد...