منذ عام 2004 بدأت منظمة اليونسكو, بدعم التنوع الثقافي في العالم مع إطلاق مبادرة بعنوان (شبكة المدن المبدعة).
هذه المبادرة تهدف إلى الارتقاء بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية داخل المدن عبر العالم, حيث تدرج المدن المبدعة (وهي 116 مدينة حول العالم إلى الآن) التي استطاعت أن تجعل من النشاط الفني الإبداعي جزءا من التنمية المستدامة, وذلك بالاعتماد على الإبداع كمصدر لإثراء المشهد الحضري والحياة اليومية لسكانها.
الجميل في الموضوع ان منطقة الأحساء في المملكة فازت بعضوية شبكة المدن المبدعة العالمية.
غالبية الشوارع والأرصفة في مدننا, موحشة على المستوى الإنساني, فقط يحتلها هدير عوادم السيارات والأبواق الغاضبة, رغم ان المدن المدنية بحاجة إلى باقة من الأنشطة الإبداعية من حرف, وفنون شعبية, فن تشكيلي وتصميم, موسيقى, أفلام, فنون وآداب, فنون إعلام.
فلطالما عانت مدننا من الشحوب واضطراب الهوية تحت هيمنة عباءة الأسمنت, فتلك البلدات الصحراوية الخجلى, التي كان سكانها يفتحون نوافذهم على رفرفة اليمام, ويقفلونها على هديل النخيل, اكتسحها مصير المدن الكبرى, طفرات متتالية متسارعة أقصت تلك البلدات عن هويتها وعن سكانها, بعد أن تحولت إلى طرقات وخطوط سريعة, وناطحات سحب, وإشارات مرورية متجهمة.
الإنسان داخل المدينة الحديثة يشعر بوحشة وغربة, لذا أصبح يناصبها العداء, ولا يبالي بصيانة مرافقها والحفاظ على ساحاتها, لاسيما مع التجهم الذي تبديه المدن الحديثة حيال سكانها, بحيث لا يحقق العيش بها الألفة مع المكان, والتعايش المشترك بين السكان, وسهولة التنقل, والخيارات المتاحة لوقت الفراغ.
في عصرنا الراهن المدن هي الشكل الأهم من التجمعات الحضرية, وسيقطنها 60% من سكان العالم عام 2030, بينما في 2050 سيقطنها 70% من السكان.
المرافق الثقافية من أبرز ملامح الفضاء المدني الحديث المعوض لغياب الأنشطة الاجتماعية المشتركة, لتحقيق ما يسمونه بالعيش الطيب, والتنمية الحضرية المستدامة.
الأسبوع الماضي أفردت بلدية الرياض شارعا رصفته بالفعل الفني, وزركشت فضاءه بالحرف واللون, واستدنت نجوم المساء لتقطفها وتنثرها بين يدي المارة.
في مهرجان الشارع الثقافي كان هناك فن تشكيلي, وتوعية صحية ضمن خطاب غير تقليدي, شخصيات تاريخية بإطار درامي, خمائل ومقاعد هيئت للقراءة, والكثير مما ينجو بسكان الرياض من بين شدقي (المول) الوحش الاستهلاكي البشع.
بالطبع مهرجان الشارع الثقافي خطوة صغيرة في درب طويلة, لأن سرعان ما يكتشف المنظمون, بأن سكان العاصمة باتوا بأسقف متطلبة مرتفعة, وبذائقة حساسة, وعين متقصية, تقوم على المقارنة, وشوق لا ينقطع للكمال, الذي يطمحونه لمدينتهم.
لنصل في النهاية إلى ان المرافق الثقافية هي من أبرز ملامح التنمية المستدامة, وهي واجهة لنموذج مثالي ومرجو للمدن المبدعة.




إضغط هنا لقراءة المزيد...