يورد المؤرخ أحمد محفوظ ملاحظة مثيرة في قسم "المغنون" من كتابه المهمل المعاد الاعتبار إليه "خبايا القاهرة" - نشر لأول مرة 1958 - فيقول "لم تعرف القاهرة في عهديها: الأول والوسيط من المغنين والغناء ما عرفته بغداد وقرطبة¡ والعلة واضحة¡ تزمت الفاطميين وتظاهرهم بالورع لرواج دعوتهم¡ وجهل أكثر الأيوبيين وعامة المماليك باللغة العربية وانشغالهم بالحروب الصليبية ومقاومة التتار" ص: 104. وهو يتحدث هنا عن فترة الحكم الفاطمي "969-1171"¡ والأيوبي "1171-1250"¡ والمملوكي "1250-1517"¡ والعثماني "1517-1917" أي ما يمثل عشرة قرون كاملة.
وهذا لا يلغي كما عرفنا عن استمرار تقاليد الغناء الفرعوني في العهود اللاحقة على الشعوب الغازية من آسيا وأوروبا¡ وهي المؤثرة في الثقافة المصرية غير أن اللحمة المشتركة بين الثقافتين السامية - الحامية تكشفها استمرار تقاليد الفنون الأدائية سواء فترة رسائل تل العمارنة في القرون القبل ميلادية حيث لا أخمن بشيء أكيد سوى افتراض التثاقف الممكن أو في القرون الميلادية في الطقس المسيحي بين السريان والأقباط في المواد اللحنية المستخدمة في طقوس أداء عيد الميلاد والجمعة الحزينة والصلوات الأخرى¡ وفي مرحلة أخرى عبر القراءة والإنشاد الإسلامي في التجويد والمولد والذكر¡ ولا يتجاهل تواجد الغناء البدوي والريفي والبحري على هامش المدن الكبيرة.
وأذكر أنه ازدهر الغناء العربي من بعد انطلاقه في مكة والمدينة في الحكم الأموي¡ ثم في بغداد في الحكم العباسي ثم في قرطبة في العصر الأندلسي¡ وتوالي الهجرات بين آسيا وأفريقيا هو إعادة تجديد الدماء الحضارية بين الشعوب ذات العلاقة القديمة كما هو بين مصر وشمال وغرب الجزيرة العربية وغرب الهلال الخصيب.
وقد عادت المراكز الثقافية تشتعل من جديد في القرن العشرين بين بغداد والقاهرة ثم الكويت وبيروت لتتحول لاحقاً في مطلع القرن الواحد والعشرين إلى دبي والدوحة.
ويرصد محفوظ أيضاً بوادر ما نسميه بـ "عصر النهضة" حيث يؤرخ لها فيقول: "ولم يعرف من الغناء قبل عبده الحمولي أصولاً مرعية قط¡ بل كان مزيجاً من الفارسية والتركية مشوهاً مشوشاً منقولاً عن الأفواه من الجواري التي كانت تتخم بها قصور المماليك¡ ومن غلمان هؤلاء المماليك أيضاً" ص: 104-105.
وذكر عن دور الحمولي الذي "توغل في الأصول من الفن التركي¡ وأخذ عنها وعربها وجعلها مستساغة¡ وقرب البشارف التركية والتواشيح الفارسية إلى الأذواق المصرية ووفق في هذا أبعد توفيق" ص: 105.
ويشار أيضاً إلى أن الحمولي أخذ عن أساتذة من العراق عثمان الموصلي "ص: 105-106"¡ ومن الشام شاكر أفندي الحلبي. ولكن سيمثل الحمولي وعثمان غناء البلاط العثماني من خلال القوالب التقليدية كالموشح والدور والقصيدة بينما سننتقل إلى الكاتب محمد المويلحي¡ وهو صديق الحمولي¡ الذي سيصف لنا جماعات الغناء الموجودة آنذاك المرتبطة بالتطور الاجتماعي والثقافي لشخصية الفنان ودور الفن في مجتمعه. وما رصد في تاريخ الغناء المصري بين القرن الثامن عشر والتاسع عشر ليعطينا صورة عن أكثر من جماعة غنائية عبر مدونات التاريخ الاجتماعي منذ مدونات المستشرقين والرحالة فيوتو وكلوت بك ثم عند المويلحي محفوظ والمؤرخ كامل الخلعي عن جماعات وطبقات الغناء والموسيقى "العوالم والغوازي والآلاتية"¡ وفضاءات التمثيل "السرايا والمقاهي والصالات والمسارح" ومناسبات الأداء "دينية أو اجتماعية أو سياسية".
وقد أسهمت هذه الفضاءات الجديدة¡ مع الجذور المنسية¡ في تكريس المجتمع الثقافي من مجال الفنون الأدائية والحركية والقولية بشروط التغير الاجتماعي¡ وتطور وسائل البث والتسجيل¡ ومؤهلات الفنان/الفنانة¡ ومتطلبات المهنة ولعبة العروض أو الفرجة¡ ورغبة الجماهير¡ وشركات الإنتاج الغنائي¡ وتوظيف الغناء في المسرح والسينما.




إضغط هنا لقراءة المزيد...