إنها لمصيبةٌ من أعظم المصائب أن نتحول بعد كل تلك الرحابة والسعة والاعتدال وقبول الرأي المخالف¡ إلى حال يخشى معها الفقيه أن يبوح برأيه في مسألة فقهية من فروع الشريعة التي ثبت فيها الخلاف بين الفقهاءº بل بين الصحابة رضوان الله عليهم¡ لأنه يدرك جيداً أن فقهاء آخرين سيهبون إلى الإنكار عليه¡ وتأليب الناس ضده¡ والتشكيك في ديانته وتقواه..
لعلها أن تكون معلومةً صادمةً للكثير من الناس من غير المتخصصين¡ حين يعلمون أن فقهاء الإسلام قبل عدة قرون كانوا أكثر مرونةً واعتدالاً وقبولاً للرأي المخالف من الكثير من المنتسبين للفقه والعلم الشرعي في عصرنا الحديث الذي نعدّه عصر الحضارة والتقدم والانفتاح.
وكلما ازدادت مطالعة الإنسان في الإرث الفقهي الضخم الذي خلّفه فقهاء الشريعة من علماء العصور والقرون الماضية¡ كلما أدرك مدى ما كانوا يتصفون به من اتساع أفق¡ ورحابة فضاء الاختلاف¡ حتى في مسائل تدخل ضمن أحكام العقيدة والتوحيد¡ في باب توحيد الأسماء والصفات.
وإنها لمصيبةٌ من أعظم المصائب أن نتحول بعد كل تلك الرحابة والسعة والاعتدال وقبول الرأي المخالف¡ إلى حال يخشى معها الفقيه أن يبوح برأيه في مسألة فقهية من فروع الشريعة التي ثبت فيها الخلاف بين الفقهاءº بل بين الصحابة رضوان الله عليهم¡ لأنه يدرك جيداً أن فقهاء آخرين سيهبون إلى الإنكار عليه¡ وتأليب الناس ضده¡ والتشكيك في ديانته وتقواه¡ فضلاً عن علمه وفقهه.
فكيف وصلنا إلى هذه المرحلة المقيتة القبيحة من الانغلاق والتشدد¡ ونحن قد تتلمذنا على أقوال علماء الإسلام الكبار التي اتسع الخلاف فيها حتى شمل مسائل من أحكام الصلاة والزكاة وسائر العبادات¡ ومسائل الدين الكبار¿!
إن هذه الظاهرة الخطيرة التي أراها تزداد يوماً بعد آخر¡ قد أحدثت فينا المصائب والآثار الوخيمة التي إن لم نتداركها فإن جنايتنا على الإسلام وأهله ستكون عظيمة. فكم ألحقت هذه الظاهرة من تشويه لسماحة الإسلام ويسره¿!
وكم أوقعت في صفوف المسلمين من غلو وتشدد أخرج لنا من يستبيح دماء المصلين في المساجد بحجج دينية¿!
وكم فعلت هذه التصرفات النشاز بالمسلمين فعلها من تمزيق وحدتهم¡ وتنافر قلوبهم¡ حتى صاروا يجتمعون في المساجد للصلاة¡ وفي المشاعر للحج والعمرة¡ ثم يخرجون منها يقتتلون ويشتم بعضهم بعضاً ويكفّر بعضهم بعضا¿!
وكم أدى بنا هذا الانغلاق والتشدد إلى وقوع حالات الإلحاد والزندقة وتنفير المسلمين من دينهم¡ وطردهم عن حياضه¿!
إن ظاهرة الانغلاق والتشدد الفقهي¡ وتجريم الاختلاف ونبذ الرأي المخالف مهما كان معه من حجة¡ تعتبر بذرة خبيثة سقيت بماء قلة الفقه¡ وسوء الأخلاق¡ حتى آتت أكلها الخبيث¡ وما زالت تتنامى وتفشو.
فكلما قلّ نصيب المرء من الخلق الحسن¡ وضعفت بضاعته من الفقه في الدين¡ كلما كان أكثر سلاطة على الفقهاء وطلبة العلم الشرعي¡ وأشدّ فتكاً في أعراضهم.
وإننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى أن ينبري الفقهاء المعتبرون¡ من الغيورين على شريعة الإسلام¡ ليكشفوا للمسلمين ما ظلّ متوارياً على مدى عقود من الزمن¡ في كتب فقهاء الإسلام في القرون الماضية¡ من أقوال فقهية تجلي لنا مدى اتساع الفقه الإسلامي¡ ورحابة الشريعة¡ وعظمتها.
لماذا نقتصر في دراستنا للفقه على الأسلوب التقليدي في التلقي والتلقين¡ ونمرّ مرور الكرام على هذا الاتساع الفقهي¡ والفضاء الواسع للخلاف¡ فلا نفاخر به¡ ولا نستلهم دلالاته السامية¿!
ولئن كان تحقيق هذه الغاية العظيمة قد يحتاج إلى مشروع أو مشاريع علمية ضخمةº إلا أن ذلك لا يمنع من مبادرات فردية ممن يحملون همّ هذه الشريعة¡ ليقدموا للأمة شيئاً من هذا الاعتدال والسماحة¡ ويكشفوا الكثير من مكامن اليسر والرحمة والشمول في شريعتنا.
أخرجوا لنا اختلافات الفقهاء في مسائل قصر وجمع الصلاة¡ وفي مسائل وجوب الزكاة¡ وفي مسائل الربا وما يدخل فيه وما لا يدخل.
وأبرزوا كيف يتعامل الفقهاء مع بعضهم مع اختلافهم في مسائل العقيدة¡ وكيف أنها لم تحملهم على الحطّ من قدر المخالف¡ ولا التزهيد في علمه أو تقليل فضله.
إن هذا المسعى من أعظم الجهاد¡ في زمن نحن أحوج ما نكون إلى كشف محاسن الإسلام والذب عن جنابه.
والحمد لله أولاً وآخراً.
محامٍ وقاضٍ سابق بديوان المظالم




إضغط هنا لقراءة المزيد...