ينتهي الموسم الدرامي نهايات حزينة في غالبه هذه السنة¡ ثمة كآبات كثيرة طغت على الفضائيات كلها¡ أمام تراجع المشاهد عن متابعة أعمال "الهبل الكوميدي"¡ الذي يتحفنا به بعضهم لإضحاكنا¡ بتفضيل الأعمال الجادة. وقد حفر كُتَّاب السيناريو في تراثنا كما في واقعنا المعاصر لإيجاد ما قد يرضي الجمهور ويثيره¡ حللوا أخطاء الماضي والحاضر لتحديد رؤية للمستقبل¡ طرحوا أسئلة حول الهوة والهفوات في دائرة علاقاتنا من أبعدها إلى أقربها إلينا¡ عادوا بنا قرونا إلى الماضي¡ دخلوا بيوت الحريم¡ ومخادع الجواري¡ كشفوا المستور من التاريخ¡ وأخرجوا الموتى من قبورهم ليرووا ما خفي عنا تحت غبائر الأزمنة.
كان الموسم ثريا¡ سجلت فيه أعمال كثيرة إخفاقاتها¡ وأخرى نجاحاتها¡ لكن كما قلت في مقال سابق¡ قلة هي الأعمال التي حطمت الحدود الجغرافية العربية لتروي الحكاية المشتركة بين الجميع¡ ولعل من بين هذه الأعمال القليلة نسجل إعجابا حقيقيا بمسلسل "مسافة أمان" للكاتبة إيمان سعيد والمخرج الليث حجو¡ بطولة كوكبة من النجوم منهم سلافة معمار وكاريس بشار¡ وعبدالمنعم عمايري¡ وجلال شموط¡ ونادين تحسين بيك..
إذ اعتمدت المعضلة الاجتماعية العميقة لبنةً أساسيةً لبناء أحداثه¡ وغاصت في أبعد نقطة ممكنة لفهم تغيرات البشر خلال الحرب وبعدهاº حيث كشفت أن الطبيب قد يتحوّل إلى مجرم¡ والطيب إلى شرير¡ والوفي إلى خائن¡ والصادق إلى كاذب¡ والوطني إلى أول هارب من وطنه بعد حرق كل أوراقه في نيران الحرب¡ وأن الصمود مهمة شاقة¡ وامتحان عسير قلّما ينجح فيه الشخص وسط تلك الفوضى ليخرج منها سالما بمبادئه.
ترصد الكاتبة بنظرتها الثاقبة¡ التي ألفناها منذ أول أعمالها¡ المحتوى الإنساني الذي يجمعنا¡ فتبني حوارا متعدد الأوجه بين النساء والرجال¡ بحثا عن أسباب الإخفاقات في قصص حبنا¡ وزيجاتنا¡ وعلاقاتنا حتى مع أولادنا.
لا شيء يفوت كاتبتنا وهي تسرد حكاية هذا الإنسان المتلهف إلى امتلاك كل شيء حتى يخسر كل شيء¡ تصف الجشع¡ والنفاق¡ والنزوات¡ كما تصف القناعة¡ والاكتفاء¡ والتعقُّل¡ وكأنها تزن الأشياء بميزان العدل¡ حتى لا تبالغ في الميل إلى جهة ما¡ لكنها رغم ذلك تطوي صفحة الخسائر كلها¡ وتفتح نافذة أمل للمستقبل حين ينتصر الخير¡ ويقلع نحو فضاء دون تلك القضبان المحيطة بنا.
نبلغ خاتمة العمل التي لها أكثر من رسالة¡ حين يرسم السيد مراد (جرجس جبارة) قبره في قلب بيته بعد أن عجز عن شراء قبر في الشام¡ ويبدأ بالحفر¡ هو الذي اتضحت له الرؤية أخيرا¡ إذ عاش يجب أن يموت.




http://www.alriyadh.com/1759672]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]