عبارة جميلة طرّزها الروائي والقاص الأميركي (أرنست همنغواي 1969م) ربما تصلح شعاراً لنا هذه الأيام ونحن نعيش في أجواءٍ تشبه العزلة بسب تفشي (فايروس كورونا) نسأل الله السلامة منه, والشفاء لجميع المصابين به. يقول(همنغواي): «ابتعادُنا عن البشر لا يعني كُرهاً أو تغيّراًº العزلةُ وطنٌ للأرواح المتعبة» نعم, نحن نبتعد عن أحبابنا, وأصحابنا, ونعيش في عزلة جماعية, لكن هذه العزلة التي نحن بصددها, على الرغم من قسوتها, وألمها, هي ليست شراً, أو وبالاً على كل حال, بل تحمل في طياتها العديد من المعاني الجميلة, والقيم الإيجابية, وأمور لا يعلمها إلا الله.
العزلة التي نعيشها اليوم هي عزلة من طراز مختلف, عزلة صار فيها الإنسان يشعر بحب أهله, ووطنه, وعمله, وكل شيءٍ انقطع عنه, وصار يشتاق إليهº حتى الذين كانوا يرتادون الأسواق, والمقاهي, والصالات الرياضية, وغيرها, والذين كانوا يحرصون على الأسفار, والتجمعات العائلية, والمناسبات الخاصةº كل أولئك هم اليوم متعطشون إلى انفراج هذه الأزمة, والخروج من العزلةº ليمارسوا حبهم لأشيائهم التي اعتادوا عليها. ومع ذلك فقد منحتنا هذه العزلة الشيء الكثير, ويكفي أنها جعلتنا نتغيّر, ونعود إلى عاداتنا القديمة, ونعتاد العزلة بشكل طويل رغم الألم. يقول جبران خليل جبران: «الألمُ يغيّر الناس¡ فيجعلهم يثقون أقل¡ ويفكرون أكثر¡ وينعزلون أطول».
ولطالما كانت العزلة أمراً محرّضاً على اغتنام الوقت بالإبداع, والابتكار, والاكتشافº ولهذا فإن كثيراً من الذين جربوا العزلة بألوانها ودرجاتها قد خرجوا بما ينفعهم, والشواهد على ذلك كثيرة لدى الأدباء, والنقاد, والمخترعين, والموهوبين, وغيرهم. وهنا أتذكر مقولة جميلة للروائي الروسي (فيودور دوستويفسكي1881م) حيث يقول: «العزلة زاوية صغيرة, يقف فيها المرء أمام عقله» وعادةً ما يطرب الأدباء والفلاسفة لهذا النوع من العزلة, ويميلون إليه, ويتغنون به أحياناًº لأنهم يجدون في عزلتهم من المتعة ما لا يجده غيرهم. وكأنهم يحبونها, أو يحبون شيئاً فيهاº وقد دفع هذا المبدأ الروائية الأميركية (ماري سارتون 1996م) إلى القول: إن: «الوحدة هي فقر النفس, أما العزلة فهي ثراؤها».
وبما أننا نتحدث عن (الحب) فلا بد أن نحبَّ هذا الوطن العظيم الذي صار مضرباً للأمثال, وأنموذجاً يحتذى عالمياًº كان وما زال يحنو على أبنائه, ويحرص على ألا يمسهم السوءº وما زال كذلك. ولعل هذه العزلة التي نستغرق فيها تؤكد هذا النهج, وإنا لنسأل الله أن يصرف عنا هذا الوباء, وأن يسدّد حكومتنا الرشيدة في جهودها المتواصلة والمتواكبة, ويلهمها القوة والإعانة لمواجهة هذا الخطر ومحاربته, فما تقدمه المملكة من جهود جبارة يجعلنا نستشعر قيمة الحبº حب الوطن, والصحة, والأمان, والرخاء, ونعم كثيرة لا تعد, ولا تحصى.




http://www.alriyadh.com/1811565]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]