ضمن ما يثيره فيروس كورونا من مراجعات للحسابات البشرية يذهب البعض للاعتقاد أن البشر لم يعودوا ينصتون للطبيعة الأم¡ بل وتمادوا في انتهاكها وتحريرها لتشبع جشعهم¡ وذلك بالتعدي على حياة الكائنات الأخرى¡ إخوتنا في الطبيعة¡ من حيوان ونبات وجماد¡ مثل حيوان البانقولا -الذي يُشّك في كونه الناقل لهذا الفيروس للإنسان- والذي تمادى البشر في صيده طلباً للحمه كغذاء ولأصدافه كدواء حتى أوشك على الانقراض¡ بل وتحدى الإنسان قوانين منع صيده¡ هذا الحيوان قد أرسل صرخة يأس أو وجع تمثلت في هذا الفيروس أو الجائحة التي تعصف بالأرواح في كرتنا الأرضية عامة.
ومن ناحية أخرى تذهب الدراسات للاعتقاد أن الطبيعة تريد أن تسترد توازنها الذي اختلَّ بسبب تعديات البشر¡ الطبيعة شاءت هذا التوقف لعجلات الإنتاج لكي تتنفس¡ فلقد تفاقم التلوث الذي خنق الكوكب وسكانه¡ وتسبب في وفيات لو تم رصدها بنفس الأضواء الكاشفة التي ترصد بها وفيات كورونا لوقف البشر مذهولين من نتائج عوادم مصانعهم وموتورات وسائل مواصلاتهم¡ وفي هذا الصدد فلقد تم خلال الشهر الماضي هذا الإحصاء وثبت انخفاض عدد قتلى التلوث بسبب الحجر الصحي الذي أوقف عجلات الإنتاج ومواتير السفر وخفض منسوب التلوث على كوكب الأرض¡ فلقد انقشع غمام التلوث عن القارات ابتداءً من الصين ومروراً بأوروبا¡ ظاهرة تدعونا للتأمل وكيف أن أسابيع من تراخي الإيقاع الإنتاجي والاستهلاكي كفيلة بإحداث تغيرات جسيمة قد تنجح في إنقاذ الأرض من المصير الذي يتهددها¡ وبالتالي تغيير مصير بقاء الإنسان على الأرض المهدد بالانقراض فيما لو استمر الاستنزاف للطبيعة.
والأهم من كل ذلك يذهب البعض للتأكيد أن كورونا نعمة إلهية ترحمنا من الركض¡ فلقد نسي الإنسان ذاته واستسلم لعجلة السُخرة التي يفرضها المجتمع الصناعي¡ انجرف الإنسان في لعبة الركض بل واللهاث¡ ليس فقط وراء لقمة الخبز¡ وإنما وراء المزيد والمزيد¡ إذ لم يعد ما نملكه -مهما توسع وتضخم- يكفي¡ لم يعد المليون يكفي إذ يعقبه الركض للمليار وهكذا¡ الهاتف والسيارة والكمبيوتر بل والأثاث وأحياناً البيوت نفسها لابد من تجديدها كل عام. المزيد والمزيد حتى صرخت الأرض ولن تكف تصرخ بل وستتدخل لإيقافنا عن الركض ما لم نتوقف بوعي وبكامل إرادتنا¡ سقط وهْم أننا المتحكمون بالأرض¡ كورونا أثبت هشاشة أنظمتنا التكنولوجية والاقتصادية وسقوطها كهشيم أمام عدو خفي ينبعث من دواخلنا وليس سوانا الناقلين له والموزعين. مفارقة لابد وأن نتوقف عندها ونتمعن¡ فكورونا لا ينقله الآن بعوض ولا حيوان¡ وإنما نحن البشر¡ فما الذي تقوله لنا هذه الحقيقة المذهلة¿ لماذا لا تتم مقاومة هذه الجائحة إلا بالعزلة¿ كل ذلك يقول لنا بضرورة رجعة الإنسان لذاته ولمسؤوليته تجاه الأرض وكائناتها¡ التكليف الذي أرسله به الخالق حين استخلفه على الأرض.




http://www.alriyadh.com/1814624]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]