تمكّن الشعر من التخلص من معظم القيود التي كانت تعيق انطلاقه وتحليقه بفضل عدد قليل نسبياً من الشعراء المبدعين¡ إذ لا يكاد يخلو عصر شعري من فئة قليلة اختصها الله بالموهبة الفذة¡ وبوجود الرغبة الجادة في التجديد وإبداع ما هو مختلف عن السائد والمألوف¡ ويميز أولئك المبدعون صبرهم على تجاهل الجمهور لهم أو تلقي إنتاجهم الذي يبدو غريباً بالاستهزاء والسخرية أو التعامل معه كإنتاج رديء لا يستحق النظر إليه. وقد استعمل الشاعر العربي القديم كلمة «غريبة» لوصف مدى اختلاف قصيدته التي أبدعها عن سائر القصائد: «أرسلتها مثلَ الشهابِ غريبةً»¡ كما حرص على توضيح معاناته في السهر على إبداع «شعر غريب» لا يشابه غيره¡ يقول ذو الرمة (تـ117):
وشِعرٍ قد أرقتُ لهُ غريبٍ
أُجنّبُه المساند والـمُحالا
وإلى جانب السعي الدؤوب لإبداع شعر غريب أو مختلف ينهض المبدعون بمهمة نشر الوعي بأهمية الخروج من دائرة المألوف والتقليدي¡ ومن بين الشعراء الشعبيين الذين نهضوا بهذه المهمة الشاعر نايف أبا العون الذي يطالب الشاعر بمضاعفة جهوده للبحث عن الجديد لاسيما أن الإبداع في الشعر لا حدود له¡ يقول:
يا الشاعر اللي كل شعرك مناقيد
لازم تطوّر بالقصيد وتجدّد
ترى البيوت النادرة تشبه الصيد
لا جتك فرصة سانحة لا تردّد
دوّر على فكرة¡ ومعنى¡ وتجديد
والا تريّح بالظلال وتمدّد
كما يُطالب الشاعر عبدالكريم البدراني بأن يكون الشاعر «نسخة أصلية» لا نسخة مُقلّدة من غيره¡ وإن لم يكن كذلك فلا يجوز له أبداً التفاخر بالشعر الذي ينظمه:
لا تمدح أسلوبك ولا تفخر به
لا صار مالك بصمةٍ حصرية
وإن جاز لك شاعر لا تضرب دربه
حاول تكون النسخة الأصلية
وقد سلك المبدعون في نقدهم منهج أبي نواس في السخرية من المطالع المكرّرة والمملّة التي ما زال بعض الشعراء يتمسّكون بها¡ كذلك المطلع التي يتحدّث فيه الشاعر عن «سهره» في الوقت الذي أمسى فيه السهر أمراً مألوفاً وغير مستغرب¡ أو استخدام صور تقليدية لا تتناسب مع هذا العصر¡ كالصورة التي تناوب الشعراء على اجترارها وانتقدها الشاعر جمال بندر في قوله:
شاعرٍ ما يكتب الصعب بسهوله
يسكت ولا يكتب اللي قيل قبله
قل قصيدٍ زين والا لا تقوله
فكّنا من «وجد عودٍ وخذت إبله»
يُشير الشاعر هنا إلى ما يجب أن تكون عليه القصيدة¡ ويسخر من الشعراء الذين يصرّون على استخدام صورة حزن كبير السن الذي هجم الأعداء على إبله وأخذوها عنوة لتصوير حزنهم¡ مع أنها صورة مستهلكة ارتبطت بحالة زالت مع زوال ظروفها ولم يعد ممكناً أن تؤثر في المتلقي أو أن يتعاطف أو يتفاعل معها.




http://www.alriyadh.com/1853056]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]