خلال السنوات الفارطة، فقدت مجموعة من الأصدقاء، كان من بينهم اثنان فارقا الحياة قتلاً: هشام الهاشمي، ولقمان سليم.
كانت جرائم بشعة، وانتهاكاً لحرمة الإنسان وحقه في الوجود. شخصياً، شعرت بألم شديد، وغضب، وقلق في آن معاً، من دون أن أجعل الخوف يسيطر على عقلي، أو تتحكم فيَّ العواطف، فأجنح للغرائزية أو إطلاق التهم جزافاً من دون عِقال!
كنت على الهاتف مع الهاشمي، قبيل اغتياله بأقل من ساعة؛ صدمني الخبر، وسالت أنهارٌ من قلبي ومقلتيَّ. مع لقمانَ قصةٌ أخرى، فحتى الساعة لم أستطع البكاء، كانت روحي شحيحة في مائها، جرى جدولٌ صغيرٌ عندما هاتفت أخته رشا، معزياً إياها! ربما، حتى اللحظة لم أستوعب ما جرى، وهول الحادثة مازال مكتوماً في الدواخل العميقة التي لا أستطع الوصول لها.
لا أودُ التفضيل بين الأحباب، فكلاهما كانا جناحين من نورٍ وقوة؛ إنما ربما، ولعله الأكيد، بحكم طول العشرةِ وعميق الصلة، كان الصديق لقمان سليم، الأقرب إلى قلبي والعقل وأسلوب الحياة، والعمل الثقافي والسياسي والاجتماعي، وكيفية إصلاح الخطاب الديني وتطويره، واجتراح فضاء تفكير جديد خاصٍ، ليس ملحقاً بأحد.
هشام الهاشمي، بدماثته وهدوئه وروحانيته، لا يترك لك مجالاً لأن تغضب منه، أو تحتد في الخلاف. ربما تتباين الأفكار حول بعض الأولويات أو التفاصيل أو طرق العمل، وحسب، لا أكثر، وربما أقل؛ إنما الرؤية كانت مشتركة وواضحة: عراق وخليج أكثر أمناً، من دون إرهاب أو سلاح منفلت أو طائفية.
هشام ولقمان وقعت في حقهما تصفيات جسدية صادمة، وحصل هنالك رأي عام رافضٌ ومنددٌ بتلك الاغتيالات الدموية، كما ارتفعت أصوات تطالب بالعدالة.
أن يتم تحديد الجناة، وتتم محاكمتهم ومعاقبتهم على جرائمهم، ليس حقاً للضحايا وذويهم وحسب، بل هي عملية ضرورية لحفظ الأمن العام، وصون كيان الدولة، ومنع العنف، وإرسال إشارات واضحة وعلنية أن ليس هنالك من مجالٍ للإفلات من العقاب، وأن القانون والقضاء سيكون لهما الكلمة الفصل.
هشام الهاشمي، ولقمان سليم، حتى الساعة، لم تعلن أي نتائج تحقيق في قضيتهما، ولا يعرف بالتحديد من هم القتلة المنفذون المباشرون.
الجرائم أعلاه، رغم وضوحها، إلا أنه تم تسييسها، بشكل أو بآخر، وبدرجات متفاوتة. وأحياناً تشعر أنه يريد من خلالها التصويب على أهداف محددة، من دون أن تعني العدالة شيئاً!
التعاطي السياسي والإعلامي الخارجي، من بعض الجهات الأوروبية أو الأميركية وحتى العربية والإسلامية، مع اغتيال الهاشمي وسليم، هذا التعاطي كان انتقائياً، بطريقة تخدم مصالح مرادة، من دون النظر لشعارات "حقوق الإنسان" التي ترفع، وكأن هنالك ازدواجية واضحة وانتقائية في التعاطي مع الملفات.
هذا "تسييس" لا تخطئه عين الحصيف، عندما تستخدم بعض القضايا للتصويب على أنظمة ودول محددة، ولأهداف مخطط نفعية وأنانية، فيما قضايا أخرى مشابهة وبذات البشاعة يتم التغاضي عنها وإهمالها، وترك مرتكبيها من دون تتبع أو عقاب.
هي واحدة من أمراض النظام الدولي الحديث: القيم التي يريد الآخرون تدريبنا عليها، كي نكون متحضرين مثلهم، فيما هم أول المنتهكين لها، والمتاجرين بها!




http://www.alriyadh.com/1873887]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]