من ألطف ما سمعت ما رددته مؤخراً شركة عالمية للمأكــــولات الســـريعة، بأنها لا تتــدخل فـــي السياسة، وتلتزم الحياد المطلق، حفاظاً على مصالحها التجارية، بينما الشركة نفسها، غادرت روسيا بعد الأزمة الأوكرانية، وتركت خلفها ما نسبته 9 % من إيراداتها، و3 % من أرباحها التشغيلية..
في ديسمبر الجاري قامت شركة (زارا) الإسبانية للملبوسات، والتي تمثل علامة تجارية عالمية، ولها فروع في معظـــــم دول العالم، بالتــــرويج عن مجمــوعتها للعام المقبل، من خــلال صفحاتها على الإنترنت، وقد ظهر فيها استخفاف بأحداث جارية ومعروفة، وعرضت فيها الأزياء على خلفية دمار حاضر على الإخباريات العالمية يومياً، ولوحظ على جـــدران العرض خريطة الدولة محل الأحداث، وتصرف الشركة المستفز، واجه حملة مقاطعة على السوشال ميديا من الخليجيين والعرب، ما أجبرها على حذف المجموعة الجديدة من مواقعها، لأن السوق الخليجي، على وجه التحديد، يعتبر الأكثر استهلاكاً لمنتجاتها، وخسائرها فيه ستكون فادحة، والأعجب أنها بررت تصرفها بأنه كان بالصدفة المحضة، ولم يكن مقصوداً، وأجد صعوبة في تصديق ذلك، وكلمة مقاطعة أو (بويكوت) مأخوذة من اسم وكيل أراضٍ آيرلندي اسمه تشارلز بويكوت، وكان ذلك عام 1880، ويعتبر أول شخص يواجه مقاطعة، في فترة الاضطرابات المعروفة بحرب الأراضي في آيرلندا.
الأكثر استفزازاً من ما سبق، تصرفات منصة تيك توك، قبل شهر تقريباً، وقيام مسؤولي المحتوى العربي في المنصــة المسؤولين عن منطقة الشـــــرق الأوسط، وهم فــي غالبيتهم من عــــرب الشمال وعرب 48، المشحونين باستمــــرار ضد دول الخليج وفي مقــدمتها المملكة، والأدلة عليهم تطل برأسها في كل أزمة، وهؤلاء قاموا بالحذف الفوري للمقاطع التي تبرز إنجازات المملكة وتحتفي بقيادتها، واعتبروها أخباراً غير صحيحة وشائعات، وحذروا من يكررها بتعليق حسابه أو حذفه، رغم صدورها من جهات رسمية سعودية وأجنبية، وبعضها مجرد إيموجي لأعلام أو صور لشخصيات مؤثرة، ولم أكن أتصور أن مســــــاحة الحقد والحســد تجـــــاه كل ما هو سعــودي، قد تصل عند بعض النـــاس إلى هــــذه الدرجة، والغريب أنها سمحت بنشر التعليقات المسيئـــة للمملكة، ومنعت التعليق عليها، وقـدمت اعتذاراً يشبه التهديد، وقناة الإخبارية السعودية تكلمت عن الموضوع في واحدة من نشراتها، وتحديداً في 15 نوفمبر من العام الحالي.
الثابت لـدي هو خسارة الشــــــركة المؤكدة نتيجة الحمـــلة، والضرر سيتحمله الاقتصاد الصيني قبل غيره، ولا أستبعد أن يكون من قــــام بهذه الأعمال مدسوس على الصينيين، لتحييد تهـديدهــــم للمنصات الأميركية، خصوصاً أن المستخـدمين من المملكـــة، فوق 18 عاماً، تصل أعدادهم وفق إحصاءات 2023، إلى 26 مليون مستخدم، وهم يحققون معدل وصول لإعلانات تيك توك بنسبة 103 %، وغالبيتهم غادر المنصة، وحظرت شركات الاتصالات السعودية، بثوث التطبيق في كل باقات الإنترنت الخاصة بها، ومقاطعة السعوديين والخليجيين وبعض العرب، ساهمت فــــــي خفض تقييمه فـي المتاجر الإلكترونية، وبنسبة خمسة أعشار الدرجة في شهر واحد، أو من 4,4 إلى 3,9، والمملكة لديها تطبيق شبيه وسعودي بالكامل، أنتج قبل المقاطعة واسمه (جاكو)، وقد نجح في استقطاب نخبة من مشاهير العرب والعالم، وربما احتاج لعمل إضافي يمكنه من المنافسة العالمية بشكل أفضل.
المقاطعة الأبرز في العالم قبل نحت (بويكوت)، بدأت بمقاطعة السكر في بريطانيا عام 1791، لرفضها استعباد عمال السكر الهنود من قبل البريطانيين، وهذه المقاطعة جعلت أميركا وبريطانيا تحظران العبودية وتجارة الرقيق اعتباراً من 1806، ومن ثم مقاطعة حافلات مونتغمـــري في 1955، ومساهمتها في إلغاء التمييز ضـد الأميركيين السود، في وسائل النقل العام بأميركا، ومقاطعة شركة (نستله) الأميركية في 1977، لأنها استخدمت إعلانات مضللة عن حليب الرضاعة الصناعي في الدول النامية، واستمرت الحملة لسبعة أعوام، حتى تدخلت منظمة الصحة العالمية، ووضعت كوداً للحليب الصناعي، اعتذرت بعده الشركة وأعلنت التزامها.
بالإضافة لحملة المقاطعة الخليجية والعربية للمنتجات الفرنسية والدنماركية في 2005، ودورها في تراجع صادرات الدنمارك من الألبان بنسية 85 %، وبالأخص الحليب والأجبان، وكلاهما تراجعت مبيعاتهما من 148 مليون إلى 21 مليون دولار، وحملة المقاطعات العربية والإسلامية لفرنسا، لأنها دعمت صحيفة (شارلي إبدو) في نشرها للرسوم المسيئة عام 2020، والتي نتج عنها تراجع الصادرات الفرنسية إلى تلك الدول، من 100 مليار إلى 41 مليار دولار، وكان نصيب المملكة فيها ثلاثة مليارات وستمائة مليون دولار، والنتيجة أن فرنسا تراجعت عن موقفها وقالت إنه فهم خطأ.
من ألطف ما سمعت ما رددته مؤخراً شركة عالمية للمأكــــولات الســـريعة، بأنها لا تتــدخل فـــي السياسة، وتلتزم الحياد المطلق، حفاظاً على مصالحها التجارية، بينما الشركة نفسها، غادرت روسيا بعد الأزمة الأوكرانية، وتركت خلفها ما نسبته 9 % من إيراداتها، و3 % من أرباحها التشغيلية، عندما قامت بإغلاق 850 فرعاً، يعمل فيها 72 ألف مواطن روســــي، وبررت موقفــــها بالمعاناة الإنسانية في أوكرانيا، وكل مطاعم الشركة استحوذ عليها مستثمر روسي، وأعاد تسميتها إلى (فوكسنو ايتوتشكا) وبذات الموظفين السابقين، ولدرجة أن مذاق المنتج نفسه وجودته لم يتغيرا، وارتفعت أعداد الفروع إلى 1000 فرع، ولعل ازدواجية المعايير في هذه الحكاية، تكشف أكذوبة الحقوق والحريات عند بعض الدول الغربية.




http://www.alriyadh.com/2048476]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]