يتطلب من صحفيي السفر تطوير مجموعة واسعة من المعرفة حول الوجهات وأنواع السفر، وليس فقط فهم الفروق الدقيقة لتجارب السفر وأنواعها، بل ومواكبة الاتجاهات الناشئة وتفضيلات السفر المتطورة، وأحدث التطورات والتحولات في هذه الصناعة..
استكمالًا لمسار مقال الأسبوع المنصرم "تسويق وجهاتنا للخارج.. معادلة صناعتنا السياحية"، والذي شددت فيه على حاجتنا إلى عملية قيصرية لصناعة إعلام سياحي سعودي متكامل، وهو ما يتطلب من صانعي القرار تأهيلا عالي المستوى للكوادر الوطنية؛ لأن دور هذا الإعلام المتخصص يتجاوز مفهوم الترويج إلى تعظيم الأثر الاستثماري، لواحد من أهم القطاعات السعودية الواعدة اقتصاديًا، خاصة في ظل المنافسة الشديدة من الأسواق السياحية الإقليمية والدولية.
في عطلة نهاية الأسبوع، انتهيت من ترجمة ورقة بحث زمالة صحافية تابعة لبرنامج معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد بعنوان "صحافة السفر وأهميتها: أكثر من مجرد وظيفة أحلام"، لمراسلة قسم السفر في صحيفة ستريتس تايمز السنغافورية، كلارا لوك، والتي تتمتع بخبرة متراكمة في الكتابة عن اتجاهات السفر المحلية الدولية، فكتبت عن وجهات مثل كوريا الشمالية، وبوتان، والمغرب، وأوزبكستان، وتستند فلسفتها إلى صحافة السفر ونمط الحياة، إلى كونها وسيلة لاستكشاف القضايا الاجتماعية والثقافية.
ورقة الزمالة الصحافية، كانت غنية بالمعلومات والتجارب بأهمية العودة لمسارات "صحافة السفر" التي ستشهد الفترة المقبلة صعودًا كبيرًا، لعدة عوامل منها: ارتفاع البصمة الكربونية السياحية، وزيادة الاتجاه إلى السياحة المُستدامة (المتجددة) في ظل تحديات التغير المناخي، فضلًا عن ارتفاع جاذبية السفر بعد انقضاء وباء كورونا، والأهم من ذلك، هو أنه ما بين 8 إلى 10 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي يأتي من صناعة السفر، وفي عام 2023 رُفدت خزينة دول جنوب شرق آسيا بـ 280 مليون دولار فقط من الإنفاق الإعلاني الرقمي من خلال هذه الصناعة.
ربما يعتقد البعض، أن صحافة السفر محصورة في النواحي الخدماتية، من حيث حجوزات الطيران، وكيفية بحث المسافرين عن الفنادق والمنتجعات الأرخص، وغيرها، بل إن هذا النوع من الصحافة المتخصصة، هو أعمق بكثير من ذلك، فهي مزيج حقيقي لإظهار كافة الجوانب الثقافية والاجتماعية، والترويج للمأكولات التقليدية بصبغة حضارية، ومساعدة الاقتصادات الصناعة السياحية الصغيرة في النمو، وتسليط الضوء على التزام الوجهات وقطاع الضيافة بالاستدامة البيئة، وخلق جيل من المسافرين الملتزمين بحماية الكوكب.
ببساطة، فإن صحافة السفر، هي تقارير وقصص سفر شاملة تتقاطع مع قضايا مثل المناخ وتنمية المجتمع والجغرافيا السياسية، والتوترات الاجتماعية والثقافية، فضلًا عن مساهمتها في تسليط الضوء على التجارب التي ينعكس فيها إنفاق السائح على تطور ودعم السكان المحليين، أو المساعدة في توفير بدائل عن المدن ذات "السياحة المفرطة"، فضلًا عن مساعدتها القرّاء على فهم الخلفية الاجتماعية والثقافية للمكان الذي يقصدونه، حتى يتصرفوا عن معرفة؛ لعدم حدوث مشكلات أو حساسيات مع أهل البلد الذي يزورونه.
وعلى الرغم من أن صحافة السفر على المستوى العالمي، ليست منتشرة بشكل كبير، إلا أن هناك العديد من المؤسسات الصحافية الغربية -وإن كانت قليلة- وضعت لها اعتبارات مهنية في غرف أخبارها، فهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) -على سبيل المثال لا الحصر- وضعت نموذجا شاملا ودقيقا وصارما لكتابها المتخصصين في قسم السفر سواء الدائمين أو المستقلين، يتم على أساسه قبول أو عدم قبول القصص أو التقارير الصحافية.
يتطلب من صحفيي السفر تطوير مجموعة واسعة من المعرفة حول الوجهات وأنواع السفر، وليس فقط فهم الفروق الدقيقة لتجارب السفر وأنواعها، بل ومواكبة الاتجاهات الناشئة وتفضيلات السفر المتطورة، وأحدث التطورات والتحولات في هذه الصناعة، كما يُطلب منهم أيضًا إجراء بحث دقيق، وإظهار الحساسية الثقافية، ودعم معايير إعداد التقارير الأخلاقية، وسرد القصص المقنعة التي تتخطى السحر السطحي للوجهات.
ماذا عن السعودية؟ هذا السؤال مهم للغاية على خارطتنا الإعلامية الوطنية، وأتصور أننا بحاجة ماسة إلى تفعيل مسار "صحافة السفر"؛ لدعم قطاعي "السياحة" و"الترفيه"، وهذا يتطلب تعاون الجهات ذات العلاقة من وزارة الإعلام، ووزارة السياحة، والهيئة العامة للترفيه، والهيئة السعودية للسياحة، إلى هيئة الصحافيين السعوديين، والمؤسسات المانحة، وغيرها، من أجل تبني صناعة جيل من الصحافيين المتمرسين في صناعة السفر.. دمتم بخير.




http://www.alriyadh.com/2062816]إضغط هنا لقراءة المزيد...[/url]